الأمانة
إن الأمانة هي الاستعداد الفطري لتلقي آثارِ ومقتضيات كل منظومة الأسماء الحسني والظهورِ بالمعاني والسمات التي تشير إليها، ومن أبرز المقتضيات الملكاتُ القلبية المتميزة، ومن أبرز الصفات ما لدى الإنسان من إرادة حرة واختيار فهما أخصُ لوازمِ ومظاهر الأمانة، فالإنسان هو المظهر الأكبر في عالم الشهادة لهاتين السمتين اللتين هما بالأصالة لله رب العالمين، فهو سبحانه الذي له الإرادةُ المطلقة والاختيار المطلق، وهو الذي لا يُسأل عما يفعلُ وهم يُسألون.
قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الأحزاب72
والآية تصور أهميةَ الإنسان في البناءِ الكوني العام، فهو من لوازم تحقيق المقاصد الوجودية العظمى، ذلك لأنه أداةُ التفصيلِ المطلق، فالإنسان لديه الاستعداد لقبول آثار ومقتضيات كلِّ منظومة الأسماء الحسنى الإلهية وتفصيلِها والظهور بآثارها لسائر الكائنات الأرضية، فلديه بذلك الاستعداد لحمل الأمانة لأنه مقتضى كل منظومة الأسماء، وله خَلقَ الله كلَّ ما في الأرض وسخَّره له، بل سَخَّرَ لَه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ.
ولكل ذلك كانت له حريةُ الإرادة والاختيار اللازمين لكي يُكلَّف ويُستخلفَ في الأرض ويكونَ مسئولا عن هذه الأرض وما يحيا فيها من كائنات، ويكون بذلك مجالا للحساب.
ولكونه كذلك كانت الأمانة تتضمن أيضًا وتقتضي منه القيام بحقوق الأسماء الحسنى وتجلياتها والتسبيح بحمد الله والظهور بآثارها، فالإنسان هو الكائن الذي تتعدد كياناتُه التي تقوم بذلك، والإنسان المؤمن هو الذي يقوم طوعا بما تقوم به سائر الكائنات بفطرتها وطبيعتها أو كَرْها.
فالإنسان يظهر بآثار السمات الإلهية لغيره من الكائنات الأرضية، وهذا يقتضي منه أن يعرف قدر نفسه، فالإنسان عادة لا يعي بل يجهلُ قيمة نفسه كما يجهل ثقل ما يحمله، بل هو يستعبد نفسه لما هو دونه من الأشياء؛ فهو بذلك يظلم نفسه قبل أن يظلم غيرَه.
*******
إن الإنسان هو المخلوق الوحيد في هذا الكون الذي يمكن أن يكون مجلىً لكل الأسماء الحسنى، فظهورها أو ظهور آثارها يقتضي وجود الإنسان، وهو يُظهر لنفسه ولغيره هذه الآثار، فهو يظهر بالربوبية والهيمنة لسائر المخلوقات في الأرض بحكم كونِ كلِّ شيء فيها مسخرا له، ولكونه تعلَّم الأسماء فقد بُرمج من حيث فطرتِه على البحث والنظر واكتساب المفاهيم وإعطائها الأسماءَ المميزةَ من لدنه كما برمج على إمكانية تعليمها للآخرين، فالتعليمُ الإلهي يتم وفق السننِ الإلهية، وهو يتحقق للإنسان فيما مضى والآن وفي المستقبل، والملائكةُ الأرضية هي مسخرةٌ له لتعاونَه في هذا الأمر.
*******
إنه لما اقتضى تفصيلُ وظهور الكمال اللانهائي المطلق إيجادَ كائنٍ تكون الإرادةُ الحرة والاختيار من لوازم ماهيته كان الإنسان، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72)} (الأحزاب).
والآية تصور بالبيان المعجز حقيقة أنه ليس في السمـوات ولا في الأرض ولا في الجبال من لديه الإمكانية لحمل تلك الخاصيةُ المعبرُ عنها بالأمانة، والإمكانية هي الاستعداد الفطري لتقبل كلِّ مقتضيات منظومة الأسماء الحسنى بما فيها الإرادة الحرة والاختيار.
فالملائكة مع علوّ قدرهم وعِظَم شرفهم إنما يتبعون ما يوحى إليهم اتباعا مطلقا، ولا خيار لهم في ذلك، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم مثلا لم يتذوقوا لذة كثير من آثار السمات الإلهية مثل العفو والصفح والتوبة والمغفرة والحلم، أما دوابُ الأرض فإنما يتبعون ما تمليه عليهم غرائزهم ولا خيار لهم في ذلك ولا سبيل لهم إلى الترقي عن مراتبهم.
أما الإنسان فهو القادر على التغلب على مقتضيات غرائزه، ولديه الخيار في أن يقمَعها، وهو القادر على تحسين جوهره بمعونة ربه، وبحمل الإنسان للأمانة اقتضى الأمر أن يُكلف وأن يستخلف في الأرض وأن يكرَّم وأن يفضل.
والآية تذكِّر الإنسان بأصله وبما هو بالأصالة له وهو نقصه الذاتي، فهو لا يملك إلا الظلم والجهل، والظلم هو إشارة إلى نقص الملكات الوجدانية، والجهل إشارة إلى نقص الملكات الذهنية.
أما الكمالات التي هي مقتضيات الأسماء الحسني كالعدل والعلم فهي بالأصالة لله سبحانه، ولقد جَعل عند الإنسان الاستعداد لحملها وتفصيلها، فالأمانة إذًا هي من مقتضيات كون الإنسان أداة التفصيل المثلى للكمال اللانهائي المطلق الذي به يتم الظهور التفصيلي لمنظومة الأسماء الحسنى، ولقد اقتضى ذلك أن يكون لديه من البنيان الجسدي والملكات القلبية ما يؤهله ليكون خليفة في الأرض.
أما كافة المعاني الأخرى التي يستخدم فيها مصطلح الأمانة كالتكليف والمسؤولية والعهد والتبعة فهي من مقتضيات المعني المشار إليه هنا، فالإنسان بمقتضى حقيقته قابل للقيام بحقوق الأسماء الحسنى والظهور بآثارها، وهو بذلك حامل للأمانة وله الإرادة الحرة والاختيار في نطاق محدد معلوم، وهو بحكم حقيقته قابل للتطور والتغير على المستوى الجوهري، واقتضى كل ذلك مطالبته بالقيام بالأوامر الدينية أي تكليفه، فموقفه من الأوامر التكليفية هو الذي يحدث الآثار التي يتشكل بناءً عليها كيانه الجوهري، فتكليفُ الإنسان هو من مقتضيات حمله الأمانة.
فالأمانة هي أهلية الإنسان الفطرية للقيام بمقتضيات الأسماء الحسنى وتفصيلِها وإظهارها لنفسه ولسائر الكائنات، فهو الأداة المثلى لتفصيل الكمال المطلق، ويترتب على ذلك أهلية الإنسان للاستخلاف في الأرض بأن يظهر لسائر الكائنات بمقتضيات الأسماء الحسنى، وهذا يعنى أحقية الإنسان في الانتفاع بما في الأرض، ذلك لأن كل ما هو فيها مسخر لمن لديه الاستعداد لحمل الأمانة وليس إلا الإنسان، فكل ما يترتب على ذلك من إعمار وإصلاح وبعد عن الإفساد هو من مقتضيات هذا المطلب، وهذا التسخير يعنى أن كل الظروف المادية والمعنوية قد قدِّرت وصيغت بحيث تؤدي إلى ظهور النوع الإنساني وتحققِه بكماله المنشود وبقائه إلى أجله المعلوم، وهذا يعنى أيضا أنه بانقراض هذا النوع لن يكون ثمة حاجة للسماوات والأرض بتلك الصورة المألوفة ويتحتم أن يُستبدل بها غيرُها.
ويترتبُ على كل ما سبق أن الإنسان مكّرمٌ من حيث أنه إنسان، فهو مفضَّل على كثير ممن خلق الله تعالى بأهليته لحمل الأمانة وبكونه مستخلفاً في الأرض، ولكن الإنسان لم يُخلق في مرتبته ابتداءً، وإنما عليه أن يكد وأن يسعى وأن يعمل ليصل إلى كماله المنشود ومرتبته المأمولة، وهذا هو أصل التكليف.
وكل عمل إنساني صدر عن وعى وإرادة وقصد لابد طبقا للقوانين والسنن أن تترتب عليه آثار باطنية تبقى لصيقةً بالإنسان وتولد لديه استعدادات جديدة تتحدد طبيعتها ومداها طبقًا لنوع العمل والنية والقصد منه، لذلك فكل المعلومات والتعليمات والأوامر الدينية إنما تقصدُ إلى إصلاح ظاهر الإنسان وباطنه بحيث يكون مؤهلا لأداء المراد منه في تلك الدنيا وكذلك للعيش في العالم الأرقى الذي سيتلو هذا العالم الدنيوي وسيترتب عليه ترتُّب النتيجةِ على السبب.
فالمقصدُ الأعظم إذًا هو إعداد الإنسان الرباني الإنسان الفائق؛ الإنسانِ الخليفة المفضل الجديرِ بالتكريم الإلهي والذي سخر له الله تعالى ما في السمـوات وما في الأرض، ولقد أعلن الله سبحانه كل ذلك في نصوص بينة محكمة لا ريب فيها، قال تعالى:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا(70)} (الإسراء: 70)، {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31)، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(34)} (البقرة)، {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَـوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(13)} (الجاثية)، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ(32)وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ(33)وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)} (إبراهيم)، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(29)} (البقرة).
ومن مظاهر التكريمِ الإلهي للإنسان أمرُ الملائكة بالسجود له وتكليفُ حملة العرش بالاستغفار للمؤمنين التائبين وتكليفُ الملائكة بمؤازرةِ المؤمنين وتأييدِهم وتبشيرهم وتثبيتهم، وألا يُترك الإنسانُ سدى وإرسالُ الرسلِ لهدايته.
قال تعالى:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) البقرة
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) غافر
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) فصلت
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) الأنفال
والإنسان هو الكيان الجامع، فكيانه يتضمن كياناتٍ عديدةً، الظاهر منها مخلوق من المواد الأرضية المعلومة والتي يمكن أن يشارَ إليها كلُّها بالترابِ والماء، ولكن له طبقاتٍ داخليةً عديدةً مخلوقةً من أنواعٍ أخرى من المواد بالمفهوم العام للمادة، فهي المواد التي خُلق منها الملائكة والجن، ولذلك فالجن الكلي ليس إلا جزءًا من الإنسان الكلي، هذا مع تميز الإنسان الفرد عن الجني الفرد، فالمقصود الإشارة إلى أن كِيانَ الإنسان يتضمن ما يقابل حقائقَ الجن والملائكة.
ولذلك لم يكن للحقائق الجزئية أن تستخف بشأن الحقيقة الجامعة ولا أن تتغافل عن جوهرها، بل كان عليها أن تقر لها بمرتبتها.
ولكن يجب العلم بأن كل ذلك لا يعني أبدًا أن الإنسان مطلقًا هو أفضل من الملائكة مطلقا، بل إن الملائكة هم بصفة عامة أفضلُ وأشرف وأقرب إلى الله تعالى من الإنسان، والناس –بصفة عامة- إنما يجاهدون ليكونوا مثلهم؛ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وهم منْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.
ولكن الإنسانَ هو الكائن الجامع، فهو –بصفة عامة- أجمع للحقائق من الملائكة، وفيه جانب ملائكي، يتقوى بالأفعال الطيبة الحسنة ويضعف بالأفعال الخبيثة.
والملائكة الخاصة بكل إنسان على حدة هم الملائكة الأرضيون المكلفون بأمور كثيرة خاصة بهذا الإنسان؛ فهم يُخلقون معه ويتولون أمورًا عديدة بالنسبة له.
ويجب العلم بأن الملائكةَ أنفسهم يتفاوتون في المراتب تفاوتًا هائلا، فثمة ملائكة مكلفون بالأمور الكلية، وثمة ملائكة مكلفون بالأمور الجزئية، ومنهم الملائكة الأرضية، ومنهم الملائكة الموكلة بكل إنسان على حدة.
فالإنسان هو الأبعد مدى لكون مراتبه لا تكاد تتناهى، من أسفل سافلين إلى أعلى عليين.
وبعض خواص البشر من المصطفين الأخيار قد يلحقون بمراتب الملائكة الكليين، وقد يتفوق الندر من العباد عليهم.
ولا شك أن أعلى الخلق مرتبة هو الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ويليه أعلى الملائكة درجة، وهم الملائكة العالون، ويقابلهم أولو العزم من الرسل.
إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
*******
والأمانة هي أيضا ما يستحقه كيان إنساني على بعض الكيانات الإنسانية الأخرى، فهم يصبحون بمقتضى ذلك ملزمين بأن يؤدوا إليه ما استحقه، وهذا الاستحقاق محكوم بقوانين وسنن، فعندما تتحقق شروطه وتنتفي موانعه فإنه يجب الوفاء به، فمن الأمانات:
1. ما استأمن عليه إنسان إنسانا آخر من الأمور المادية أو المعنوية.
2. ما هو حق مرتبط بأجل معلوم مثل أموال اليتامى عند من يكفلهم.
3. ما استحقه الإنسان بعد تلقي ما يلزم من التأهيل.
إنه يجب العلم بأن من أقوى الأوامر القرءانية الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)} النساء.
والأمانة هي أيضا الصفة التي بتحققها في إنسان معين يمكن للناس أن يأتمنوه على ما لديهم؛ أي يمكنهم أن يأتمنوه على ممتلكاتهم وأعراضهم وأسرارهم، وهذا أيضًا من لوازم ومظاهر كون الإنسان حاملا للأمانة ومستخلفا في الأرض.
والإنسان الذي يثبت جدارته بحمل الأمانة على كافة المستويات هو الأمين.
*******
إن الأمانة التي حملها الإنسان هي كون ماهيته الأولية جماع كل الصفات التي اقتضتها منظومة الأسماء الحسنى الإلهية، فهي أجمع الماهيات، ولقد صيغ كيانه المادي والباطني لكي يتسق ويتوافق مع ماهيته تلك، وبذلك كُرِّم وسخرت له الكائنات وكان لها بمثابة العلة الغائية وكان خليفة في الأرض، ولكن هذا يرتب عليه مسؤولية جسيمة هو جاهل بها بحكم نقصه اللازم له، ولذلك أيضًا كان ظالمًا لنفسه ولغيره، فالإنسان مطالب بأن يتخلق بالأخلاق الإلهية في تعامله مع كافة الكائنات بما فيها الإنسان نفسه، وإن من ألزم مقتضيات تلك الخلافة الحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته والحفاظ على بقاء سائر الكائنات وعدم إهدار حياتها عبثا، ومن ألزم المقتضيات أيضا كشف قوانين الوجود وسننه وعمارة الأرض والامتناع عن الإفساد فيها.
وحمل الأمانة يقتضي وجود الاستعداد للقيام بحقوق الأسماء الإلهية مما يؤدي إلى الظهور التفصيلي للكمالات الإلهية، وهذا يقتضي أن يتنوع الناس تنوعًا هائلا وأن تتفاوت طبائعهم وماهياتهم تفاوتًا لا نهائيا، وهذا يستلزم أن يسخر كل شيء من أجل تهيئة الظروف اللازمة لوجود الإنسان والحفاظ على نوعه.
والإنسان قابل لحمل الأمانة بحكم ماهيته وتركيبه والذي يتضمن الكيان المركزي الجوهري المعروف بالقلب، فلكي يحمل الأمانة كان لابد من أن يكون له قلب.
ومن لوازم حمل الأمانة كون الإنسان مخيرًا في أفعاله، فبه ظهرت وفُصِّلت المشيئة المطلقة وكونه كذلك هو المظهر الأكبر لطلاقة المشيئة وهذا متسق مع كونه لم يخلق في مرتبته ابتداء وإنما نُدِب إلى السعي إليها والتحقق بها؛ فللإنسان ماهيتان إحداهما هي الأولية البدئية والأخرى هي النهائية.
ومن لوازم ومظاهر كون الإنسان المظهر الأكبر لطلاقة المشيئة كون حقيقته تتضمن جانبا عشوائيا Random aspect، وجانبًا شواشيا Chaotic aspect، ولذلك تظهر منه أحيانا أعمال وتصرفات قد تفاجئ كل الكائنات الأخرى بما فيهم الملائكة الموكلون به، ولذلك عُلقت كثير من الأمور الخاصة بالإنسان على ما يصدر عنه بالفعل وليس على ما هو متوقع منه ومقدر له، وذلك الجانب من الإنسان من لوازم التطور والتجديد والإبداع.
ومن مقتضيات حمل الأمانة الاستخلاف في الأرض وكون الإنسان أداة التفصيل المثلى التي يتم بها الظهور التفصيلي للكمال المطلق.
وكون الإنسان خليفة يعني أن كل ما لدى الإنسان من صفات الكمال أو ما هو منسوب إليه من أمور مادية أو معنوية وما هو منوط به من أعمال ليس له بالأصالة وإنما هو لمن استخلفه، فإذا ما ظهر بامتلاك شيء كسلطة أو مال فإنما يعني ذلك أن له حق الانتفاع بما استخلف فيه وليس له أن يبدده أو أن يتلفه، فالاستخلاف وظيفة هامة وليس وسيلة للتسلط أو التعالى على الكائنات الأخرى، وحفاظ الإنسان على ما هو مستخلف فيه من حياة وملكات وإمكانات وقدرات ليس فقط حقا من حقوقه وإنما هو واجب ديني ملزم يأثم إذا ما أخل بمقتضياته وبالتفريط فيه، ومن مقتضيات الاستخلاف تنمية وتزكية واستثمار كل ما هو له الاستثمار الأمثل ونفع نفسه والناس به.
*******
إن الأمانة هي الاستعداد للقيام بحقوق الأسماء الإلهية الحسنى والتفصيلية مما يؤدي إلى تفصيل وظهور الكمالات الإلهية، وما حمله الإنسان من الأمانة هو الذي أهله للخلافة.
والأمانة بذلك هي جماع كل ما يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات الأرضية والسماوية، فهي جماع مقتضيات الحقيقة الإنسانية ولوازمها، وأبرز ظهور لتلك الحقيقة هو في الكيان الإنساني الجوهري وخاصة في القلب الإنساني بملكاته وخصائصه الوجدانية والذهنية الفريدة، ومن مظاهر ذلك الإرادة الحرة والاختيار، وحمل تلك الأمانة مترتب على وجود الاستعداد لذلك، ولكون الإنسان كذلك كان هو العلة الغائية لخلق السماوات والأرض بمعني أن حقيقته كانت سابقة على وجود تلك الكيانات في العالم الأمري، وكانت مترتبة على وجودها في العالم الخلقي.
وذلك يعني أن كل الأحداث والوقائع قد قدرت بحيث تهيئ المجال لظهور الإنسان ولتسمح باستمرار وجوده وبقائه إلى الأجل المعلوم، فالإنسان بذلك كان الأول والآخر بالنسبة إلى الكيانات الأرضية والسماوية، أما الله سبحانه فهو الأول المطلق والآخر المطلق فله الإحاطة بكل ذلك، ولقابلية الإنسان لحمل الأمانة فُضِّل وكرِّم واستخلف في الأرض وسخر له كل شيء فيها، والإنسان مؤهل لحمل الأمانة بحكم أن حقائق كل الكائنات إنما هي تفاصيل ممكنة لحقيقته المحكمة.
*******
إن حمل الإنسان للأمانة يعني أنه هو وحده الذي لديه الاستعداد المبدئي للقيام بحقوق منظومة الأسماء الحسني ولاكتساب القدر الأعظم الجامع من الكمال، وهي تعني أن الإنسان هو الآلة العامة وأداة تفصيل الكمالات المثلى، لذلك فهو النقطة أو المرجع الذي تُنسَب إليه الأشياء، فالغيب غيب من حيث الإنسان، والشهادة شهادة من حيث الإنسان، وكذلك الأمر بخصوص كل العلوم والحقائق، وإلا فإنه بالنسبة إلى الرحمن يستوي العالمان، فنظره سبحانه للأشياء من حيث الإنسان هو الذي يعين عالمي الغيب والشهادة، فالإنسان هو الآلة اللازمة لتفصيل وظهور الكمال المطلق، فتمام التفصيل إنما يكون من حيث الإنسان.
*******
إن من أهم مقتضيات وتفاصيل الأمانة التي حملها الإنسان ما لديه من إرادة حرة واختيار، ولابد لكل ذلك من مجال تتوفر فيه البدائل المختلفة، ولقد أبت كل الكائنات الأخرى أن يكون لها حرية الاختيار، وإنما اختارت ولمرة واحدة الانصياع الكامل والخضوع التام، وإنما كان ذلك من حيث الاستعداد الأولي والطبيعة الذاتية وبلسان الحال.
*******
ومن معاني الأمانة من حيث أنها مصدر الفعل أمُن أو أمِن أنها نقيض الخيانة، وهي تتضمن معاني الوفاء والنزاهة والصدق والإخلاص والطمأنينة والاستقامة وحفظ العهود والمواثيق، فما لدى الإنسان من حقوق للآخرين هو بمثابة أمانة عنده، وكل حقوق الآخرين هي بمثابة أمانة عند الإنسان عليه أن يؤديها لهم أو لمن هو أهل لها.
فتأدية الأمانات إلى أهلها هو من أقوى الأوامر القرءانية ومن أركان الإسلام الفرعية، والأمانة هي صفة جامعة، تفصلها صفات هامة وعديدة، وهي تقتضي أفعالا مصدقة لها، على الإنسان أن يتعبد بالقيام بها، أما الصفة في ذاتها فيجب أن يتحلى الإنسان بها وأن يتطهر من كل صفة مناقضة لها، وذلك من لوازم ركن التزكي وأركان عديدة، وهو أيضا من لوازم إعداد الإنسان الرباني الصالح.
*******

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق