المنظومة الأمرية
المنظومة الأمرية
المنظومة الأمرية هي المقتضيات المعنوية الأمرية للأسماء الحسنى على مستوى الإنسان والجماعة، وهي بعينها تتضمن القيم والمبادئ والمثل العليا التي هي لازمة لتحقيق مقاصد الدين العظمي.
والمقصود بتسميتها هذه الإشارة إلى أن عناصرها هي كيانات أمرية، والكيان الأمري هو ما يقابل الكيان الخلْقي، فهو بمثابة المعنى الذي لا يظهر إلا بمبنى، أو هو البرنامج Software الذي يلزمه مكونات مادية Hardware، فكل من الكيان الأمري والكيان الخلقي لازم للآخر.
والنهج القرءاني هو من مقومات تلك المنظومة، وهو الطريق الواضح الذى يتخذ من آيات الكتاب مرجعًا ثابتا ويلتزم بنسق المفاهيم والتصورات والقوانين والسنن ومعاني المصطلحات كما وردت في القرءان الكريم أو المستنبطة منه ببرهان مبين، وهذا النهج أيضا يتضمن أن تكون الآيات الكونية في الآفاق وفي الأنفس مرجعا أصيلا للنهج، ذلك لأن آيات الكتاب نفسه اعتمدت تلك الآيات الكونية والنفسية وأحالت الناس عليها وطلبت منهم النظر فيها وتدبرها واعتبارها، ولذا فالمرجع الثابت بالنسبة للنهج القرءاني هو آيات الكتاب واستناداً إلى ذلك المرجع فإن آيات الكون والنفس وما أودع فيها من ملكات هي مراجع أخرى، وكل تلك المراجع لا يمكن أن تتعارض لأنها مقتضيات نفس المنظومة من الأسماء الحسنى، ومن تصور غير ذلك فإن الخطأ إنما هو في تصوره أو في تأويله وعليه أن يراجع نفسه.
وعالم الأمر يتضمن المعاني والقوانين والمعايير والموازين اللازمة لتقييم الأعمال وكذلك لترتيب النتائج على الأسباب وآثار الأفعال على من صدرت عنه الأفعال والغايات على الوسائل والمقاصد على الأوامر، فطالما أن ثمة إجماعا لدى الملأ الأعلى على أن فعلا ما هو خير فلابد أن تترتب على الفعل آثار حسنة في نفس فاعله، ولابد أن تكون له البشرى بذلك في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وما لدى الإنسان من معرفة وملكات قد لا يكون كافيا للحكم على فعلٍ ما وتقييمه، بل إن الشرائع المنسوخة غير كافية كذلك، ذلك لأن طبيعة التطور تقتضي أن تكون الشريعة الخاتمة هي مناط الحكم والميزان الحق، وما يسمونه بالعقل -وهو في الحقيقة ملكة من ملكات القلب الذهنية أو نشاط من أنشطتها- غير كافٍ للحكم على فعلٍ أو تقييمه، فهو أمر نسبي مقيد بظروف وأحوال عامة وخاصة وبدرجة العلم والتطور والحضارة، والأهم من كل ذلك بدرجة رقيه الجوهري.
والله سبحانه إنما يأمر بما يوافق منظومة القيم العليا الإسلامية وينهى عما يخالفها فهو يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهو نفسه يحكم بالحق، ويقضي بين الناس بالعدل، ويعامل الناس بالرحمة والعدل والفضل، وليس ثمة إكراه عليه في ذلك، ذلك لأن المنظومة الأمرية المعنوية هي من مقتضيات أسمائه هو، فله أن يوجب على نفسه أو أن يكتب على نفسه ما يتفق مع سماته وأن يتم كلماته.
قال تعالى:
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54)} (الأنعام)، {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(12)} (الأنعام)، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)}، {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(19)} (يونس)، {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(33)} (يونس)، {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(21)} (المجادلة).
*******
والثروة الأمرية أو المعنوية تعبر عن مدى انتشار وشيوع وسيادة وسيطرة القيم الإيجابية الفعالة في أمة من الأمم، وكلما ازدادت تلك الثروة ازداد الثقل الأمري للأمة أي ازداد ما يعرف الآن بقوتها الناعمة، وهذا ما يؤدي إلى تفوقها على الأمم الأخرى، فالثقل الأمري هو الثروة الحقيقية وهو أمضى تأثيرًا من الثقل المادي.
وكلما اطَّرد التطور وتقدمت الإنسانية كلما ازداد سيادة وتفوق الأمور المعنوية واللطيفة، وكلما تمثل ذلك في قوة وتفوق الكيانات الإنسانية التي لديها منها النصيب الأوفر.
*******
المنظومة الرحمانية
المنظومة الرحمانية هي جماع المقتضيات المعنوية للأسماء الحسنى الإلهية والتي ذكرها الكتاب العزيز والتي ذكرها الكتاب العزيز بذكر الأسماء الحسنى والشؤون الإلهية التي اقتضتها، أو عبَّر عنها بلوازمها ومقتضياتها، ومن أساليب ذكرها أن يعلن أن الله يحبها أو يحب المتصف بها، وهي كذلك تشمل ما يضادّ الصفات الشيطانية المذكورة صراحة أو ضمنا.
فهذه المنظومة تتضمن مقتضيات الأسماء الإلهية في الكيان الإنساني، فعناصرها هي الصفات التي يجب أن يتحقق بها الإنسان الصالح أو الإنسان الرباني الفائق، وهي تتضمن الصفات التي أعلن الله تعالى أنه يحبها أو أثنى على المتصف بها أو من كان فعله وفق مقتضياتها أو وعده وعدًا حسنا، وكذلك الصفات التي وعد الله المتصف بها والعامل وفق مقتضياتها بمعيته الخاصة، فالمنظومة تتضمن الأخلاق والصفات والمعاني والقيم والسنن الإسلامية وكذلك الأوزان النسبية لكل عنصر ودرجات الارتباط فيما بينها، والقيام بأركان الدين يكون بمقتضى الاتصاف بعناصر المنظومة، وهذا القيام هو أيضاً الوسيلة لاكتساب تلك العناصر ودعمها وترسيخها في الكيان الإنساني، وبالقيام بالأركان تتحقق مقاصد الدين وذلك بمعنى أن يكتسب الكيان الإنساني الصفات الإسلامية ويتطهر مما يناقضها، وبذلك يصبح كياناً ربانياً فائقا.
والصفات التي يحبها الله عزَّ وجلَّ أو أثنى على المتصفين بها والأعمال المترتبة عليها هي من عناصر منظومة الصفات الإسلامية، وهي أيضًا ما يجب أن يكتسبها من يسعى إلى تزكية كيانه، فهي أيضا من تفاصيل ولوازم ركن التزكية، والتحقق بها من لوازم تحقيق المقصد الديني الأعظم الثاني.
وتورد الآيات الآتية الصفات التي يحبها الله عزَّ وجلَّ ويحب المتصفين بها والأفعال المترتبة عليها:
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }البقرة195 * إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }البقرة222 * {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }آل عمران31 * {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }آل عمران76 * {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }آل عمران134 * {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }آل عمران146 * {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }آل عمران148 * {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159 * {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }المائدة13 * فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }المائدة42 * {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} المائدة54 * {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}التوبة4 * {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }التوبة7 * {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }التوبة108 * {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }الحجرات9 * {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }الممتحنة8 * {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ }الصف4
وثمة صفات وعد الله تعالى المتصف بها بمعيته الخاصة، وهذه الصفات هي: الإيمان-الإحسان-التقوى-الصبر، فهذه هي أمهات الصفات الإسلامية، وكل واحدة منها مفصلة بالعديد من الصفات الفرعية وتقتضي كثيرا من الأعمال، والآيات الآتية تشير إلى الصفات التي وعد الله تعالى المتصف بها بمعيته الخاصة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة153 * فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }البقرة194 * كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة249 * {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنفال19 * {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال46 * فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال66 * وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }التوبة36 * {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }التوبة123 * {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}النحل128 * {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}محمد35
*******
إن من مقاصد القيام بالأركان الدينية ترسيخ منظومة القيم الإسلامية في القلوب الإنسانية وتحقق الإنسان بعناصرها وعمله بمقتضياتها، فالإسلام ليس مجرد القيام بطقوس خارجية شكلية لا تؤدي إلى أي رقي جوهري باطني.
وتلك المنظومة لا تتضمن فقط القيم العليا التي هي تفاصيل الكمال والحسن الإلهي المطلق وإنما تتضمن أيضًا حب تلك القيم والأمر بها والعمل على انتشارها وشيوعها وسيادتها والدعوة إليها والتمكين لها، كذلك تتضمن أيضا كراهية ما يناقضها ورفضه ودحضه أي أنها تتضمن مثلاً رفض وكراهية الظلم والجور والطغيان والكفر والشرك والجحود والفسوق والعصيان ……الخ.
*******
إن المنظومة الأمرية الرحمانية هي منظومة القيم الإسلامية، وهى جماع المقتضيات المعنوية للأسماء الحسني الإلهية في الكيان الإنساني، فهي تشمل كل القيم والمعانى والمفاهيم والتصورات ومكارم الأخلاق والعقائد والأفكار التي ينبغي أن يكون لها السيادة في النفس وفي الأمة الإسلامية، والقيم التي تتضمنها تلك المنظومة إنما تستمد حقيقتها من مصدر الكمال أو الحسن الأوحد وهو الحق سبحانه، فالقيم والمثل العليا إنما هي مقتضيات منظومة الأسماء الحسنى في عالم الأمر، وهى بذاتها الخير المحض لأنها مقتضيات من هو الخير الأبقى.
ولما كان الأمر كذلك فإن نتائج أي اجتهاد بشرى لا ينبغي أن تتحول إلى حكم شرعي، ويستطيع الإنسان أن يتعرف على تلك القيم وأن يتذوقها وأن يطلبها بما لديه من فطرة سوية، كما أن الإنسان ذا الفطرة السوية يستطيع أن يتوافق مع تلك القيم، ولكن نظرا لكماله المحدود والنقص الملازم لطبيعته الذاتية والذى يدفعه إلى سلوك تترتب عليه آثار تؤثر على باطنه وجوهره فإنه من الممكن أن تنفر نفسه من بعض القيم بل وقد يدفعه هذا إذا ما تفاقمت حالته إلى محاربة تلك القيم والعمل على إطفاء نورها، ولذا فكل إنسان هو في حاجة ماسة ودائمة إلى هدي ربه وإرشاده، ولذا أُمِر أن يطلب الهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة يصليها، كما أمر أن يطلب من ربه أن يريه الحق حقا والباطل باطلا، كذلك أمر أن يستعيذ بالسميع البصير من شياطين الإنس وبالسميع العليم من شياطين الجن، والشياطين من أعمالهم أن يلبسوا الحق بالباطل، وكما يكون الإنسان مطالبا بالتحقق بالقيم والعمل وفق مقتضياتها فهو كذلك مطالب بالانتهاء عما يناقضها.
إن كل القيم إنما تستمد معناها من الكمالات التفصيلية للأسماء الحسنى التي هي تفاصيل الاسم ٱلرَّحۡمَٰن في عالم المعاني، ولما كانت الملكات القلبية هي مقتضيات الأسماء الحسنى في الكيان الإنساني، ولما كانت الأسماء الحسنى تشكل منظومة واحدة لا تعارض فيها ولا تناقض فإنه يتحتم أن تكون القيم الرحمانية لازمة لسلامة الملكات القلبية ورقيها وازدهارها، فمنظومة القيم الرحمانية هي المنظومة المثلي اللازمة لتزكية ملكات الإنسان وبلوغه كماله المنشود، لذلك فإن العنصر الأمري من فعل أو قول أو صفة أو خلق يكون خيرا وينتمي إلى تلك المنظومة إذا كان:
1. من المقتضيات المعنوية للأسماء الحسنى أي من منظومة القيم الرحمانية.
2. مؤديًّا إلى تحقيق مقاصد الدين العظمى.
3. صادرا عن صفة كمال أو كان من تفاصيلها الممكنة.
4. مؤديا إلى نفع كيان إنساني.
5. مؤديًّا إلى صلاح الأرض ونفع أممها.
وكل تلك الأمور متسقة ومترابطة ترابطًا إيجابيا، ويكون الأمر شرًّا إذا كان نقيضًا لذلك أي إذا كان من مقتضيات المنظومة الأمرية الشيطانية.
وتلك المنظومة لا تتضمن فقط القيم العليا التي هي تفاصيل الكمال والحسن المطلق وإنما تتضمن أيضا حب تلك القيم والأمر بها والعمل على إشباعها وسيادتها والدعوة إليها والتمكين لها، كذلك تتضمن أيضا كراهية ما يناقضها ورفضه ودحضه أي أنها تتضمن مثلاً رفض وكراهية الظلم والجور والطغيان والكفر والشرك والجحود والفسوق والعصيان ……الخ.
*******
الثروة الأمرية المعنوية والثقل الأمري
إن الثروة الأمرية المعنوية تعبر عن مدى التنوع الهائل لتفاصيل أمر ما من الأمور الجامعة المحكمة كالمنظومات الأمرية، وتلك الثروة هي الغنى الحقيقي بمعنى أن من كان له كمال جامع متعدد التفاصيل هو الأغنى، ولذا كان الله سبحانه هو الذي له الغنى المطلق لأنه هو الغنى الحميد فهو الغنى بما هو له من الكمال الذاتي المطلق لأنه هو الحميد المطلق وهو الحميد المطلق لأنه هو الغنى المطلق، فصفات كماله لا تتناهى من حيث العدد والتأثير والمدى والإحاطة، ولكماله المطلق سبحانه مقتضيات في عالم الأمر هي التي لها السيادة فيه، والثروة الأمرية المعنوية هي الثروة الحقيقية لأنها منزهة عن قيود الزمان والمكان.
أما الثقل الأمرى فيعبر عما للأمر الجامع من قدر حقيقية على التأثير الشامل والنافذ والفعال، لذلك، فكل إنسان هو أرقى وأسمى بقدر ما لحقيقته الذاتية من ثروة أمرية وثقل أمري وكذلك شأن الأمة، وينطبق هذا القانون أيضا على الوقائع والأحداث، فالثقل الأمري للحدث هو الذي يحدد مدى وعمق تأثيره على التاريخ البشرى، ولذلك كانت معركة بدر أعظم المعارك تأثيرا في التاريخ البشرى تتفوق في ذلك على معارك هائلة وأضخم بكثير شارك فيها مئات الألوف من الناس مستعملين أسلحة أشد تطورا بكثير على رقعة جغرافية شديدة الاتساع.
رغم أنها كانت محدودة جدًّا من حيث الحجم المادي مقارنة بغيرها.
إن القيم هي من عناصر ومفردات المنظومة الأمرية الرحمانية، وهي من أقدس مقدسات الإسلام لأنها مقتضيات الأسماء الحسني، والثراء المعنوي والقيمي والثقل الأمري هما أعظم بكثير من الثراء المادي وإن انحطاط الأمم إنما يكون بسبب فقرها وإفلاسها في هذا المجال، أما الأمة التي لديها مثل هذا الثراء والثقل المعنوي فهي قادرة على السمو والرقى مهما كان فقرها المادي.
*******
إن الأوزان النسبية لكل قيمة إيجابية أو ما يضادها من الصفات السلبية تعتمد على طبيعة العصر، وفي ذلك العصر شديد التعقيد تصبح الصفات السلبية كالجهل مثلا أشد خطورة على الأمة من صفات كالخيانة أو من مؤامرات أعدائها.
*******
إن كل المذاهب والشيع التي نبتت منذ ظهور الإسلام لم تؤد إلى إثراء الحياة الدينية ولا إلى زيادة الثقل والثراء الأمري المعنوي للأمة بل أدت إلى تدهور كل ذلك وإلى إفقار الجو الثقافي والقيمي والعلمي الذي يحيا فيه المسلم كما توارت قيم الإسلام ومثله العليا، ولقد ولدت تلك المذاهب للتعايش مع تلك النظم الطاغوتية التي تسلطت على الأمة في ظروف تاريخية بالغة القسوة، والآن يجد المسلم نفسه محاصرًا ومقيدا ومحاطا بجو من الضحالة والركاكة والتفاهة والخرافة، وبذلك يضطر إلى التخلي عن كل ما يميزه كإنسان شيئا فشيئا في سبيل اللاشيء، بل في سبيل المزيد من التدهور والانحطاط، فمثله كمثل من يقاتل دفاعً عن سمٍّ زعاف يتعاطاه أو فيروسات تريد أن تفتك به.
هذا في حين أن الإنسان في الغرب يحيا في بيئة ثرية بالقيم الإنسانية والمبادئ والمثل والفلسفات والثقافات والعلوم وكل ما يؤدي إلى رقي الملكات الذهنية والوجدانية، وفي حين كفَّ الإنسان في الغرب عن صناعة الأساطير وعبادة الأوثان بل وحطم أكثر ما لديه منها ولم يستبقها إلا كفولكور أو كتراث متحفي فإن المسلمين لا يكفون عن اختلاق المزيد من الخرافات والأساطير وتأليه وتسييد كل شيء خاصة إذا كان قديمًا هذا بالإضافة إلى عبادة الأسلاف والمقابر والتبرك بالآثار والتشبث بالعدم والهروب من الحياة، وكلما أتى جيل جديد فإنه يضيف طبقة جديدة إلى طبقات الآلهة التي يعج بها فضاء الدويلات المحسوبة ظلمًا على الإسلام.
*******
يحلو للسلفية تصوير الماضي وكأنه الفردوس المفقود ولا يملون من تقريع وتبكيت الناس وشن الحملات عليهم لأنهم ليسوا كالسلف الصالح، ولو كان زعمهم هذا صحيحا لما وصل أمر الحاضر إلى هذه الدرجة من السوء التي يبكتون الناس بسببها، ذلك لأن انهيار الأمم الكبرى لا يكون فجائيا، ولقد بين الكتاب السنن الحاكمة على أمثال هذه الأمور، ومن سمات الله سبحانه أنه حليم، فهو يعطي الأمم الفرصة تلو الأخرى علها تراجع نفسها، ولقد أعلن أنه ما كان ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، فالانهيار الذي تفاقم بالانقلاب الأموي المشئوم لم يكن أمرا فجائيا بل أفضت إليه أسباب موضوعية سابقة عليه، كما أن منظومة القيم السائدة التي تشكل وجدان الناس ونفوسهم لا يمكن أن تتغير تغيرا حاداً فجائيا، لذلك لابد أن يترتب الحاضر على الماضي والمستقبل على الحاضر، وإنما تتضخم بعض الصفات والأخلاق على حساب الأخرى، وعلى الصفوة من أولي الألباب أن يقوموا بواجباتهم وأن يشخصوا للأمة أمراضها وأن يبينوا لها أسبابها، وعلى الأمة أن تعترف لهم بتلك الوظيفة بل وأن تطالبهم بالقيام بها إذا ما قصروا أو توانوا، كما أن عليها أن تلتزم بما يقدمونه لها من علاج، ذلك لأن من علامات تهيؤ الأمم للنجاح والفلاح أن يتبوأ أولو الألباب فيها المكانة اللائقة بهم.
*******
الرصيد القيمي
يعبر الرصيد القيمي عن الثروة التي لدى الإنسان من القيم والمعاني الإيجابية البناءة، وهذا الرصيد يتضمن ما لدى الإنسان من المعلومات عن القيم والمعاني وكذلك مدى وعمق تحققه بها وقدرته على العمل وفق مقتضياتها، ولابد من مصدر معتمد وموثوق به يمكن للإنسان أن يستمد منه تلك المعرفة، ولابد من سبل للتحقق بمقتضياتها ولوازمها، ونجاح كل إنسان منوط بمدى سمو ورقي وفعالية وإيجابية منظومة القيم الحاكمة عليه وعلى مدى تحققه بها، وهذا النجاح منوط أيضاً بمدى ما لدى الإنسان من ذكاء وجداني، وهذا النجاح لازم لتحقيق المقصد الأعظم الثاني وهو إعداد الإنسان الرباني الفائق، لذلك لابد لتحقيق مقاصد الدين العظمي من وجود منظومة قيم واضحة المعالم يستطيع كل فرد من الأمة الإلمام بها ولابد أن ينشأ ويربي وفق مقتضياتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق