الخميس، 22 يناير 2026

الشرك

 

 

 

 

 

 

 

الشرك هو نسبة ما هو لله تعالى وحده إلى غيره ومن ذلك محاولة إضفاء السمات الإلهية الخاصة على ما هو من دونه من الكيانات مثل المخلوقات أو التشريعات البشرية الوضعية أو الأقوال أو الأحوال أو الظواهر الطبيعية، وهذا يتضمن اتخاذ بعض البشر أربابًا مشرعين في الدين، والشرك لابد أن يكون له آثاره العدمية فهو يؤدي إلى انحطاط المشرك وتدهور كيانه الجوهري.

إن الشرك من أبشع صور الظلم، ذلك لأنه يتضمن عدوانا على حقٍّ من حقوق الله، ولكل اسم من أسماء الله حقوقه التي يجب على المسلم أن يعلمها حتى لا يقع في لون من ألوان الشرك.

والله تعالى هو الأصل والمصدر الأوحد لكل حسن وكمال في الوجود، وليس لمن هم من دونه من حيث ذواتهم إلا نقصهم الأصلي، فلا تتحقق صفة حسنة إلا بالله تعالى، ومن الشرك ظن الإنسان استقلاله بما هو له من الصفات الحسنة وما يترتب عليها، ومن الصفات العلم، ولقد ظن قارون استقلاله بالعلم وبما أوتي بسبب العلم فأهلك نفسه.

ومن الشرك أن ينسب الإنسان النعمة وكشف الضر لغير ربه دون أن يقر بأصل الفضل له، وعلى كل مسلم أن يعلم أن كل كمال أو فضل هو بالأصالة لله تعالى وأنه ليس لدى من هم من دونه إلا نقصهم الذاتي، وأنهم مع ذلك آلات لإيصال الخير للإنسان، ولكن على الإنسان ألا يفتتن بهم وألا ينحجب بهم عن ذي الفضل الحقيقي.

إن من أهم ضروب الشرك محاولة إكساب الظواهر والأشياء المتغيرة الفانية طابع الثبات والدوام والبقاء، ذلك لأن البقاء هو بالأصالة صفة إلهية ولا تكون إلا لله وأسمائه ومقتضياتها من السنن والكلمات، ولقد أشرك من ظن لجنته البقاء الأبدي، وقاده ذلك إلى الكفر باليوم الآخر، فعاقبة هذا الضرب من الشرك وخيمة، ومن أبرز مظاهره محاولة إيقاف عجلة التطور ومحاولة صاحب كل أمر أو مهنة توريث الأمر بالباطل لأحد ذويه ومنع الآخرين من القيام به.

إن أكبر الكبائر هو الشرك، فهو يتضمن الزعم بوجود ما هو في ذاته معدوم، فهو بذلك يتضمن أكبر قلب للحقائق ووضع للأمور في غير نصابها، وهو بذلك الظلم العظيم الذي يتضمن أكبر عدوان على حقوق الكائن الأجلّ الأعظم الذي له الوجود المطلق، فالشرك يتضمن نسبة ما هو خاص به إلى من هو من دونه، والمشرك يتجه بعبادته إلى غير الله تعالى من الشركاء المزعومين، كما يدعي لهم السمات الإلهية، والمشرك الذي يعبد أحد الصالحين كمن يعبدون أحد الأنبياء مثلا ما عبدوا هذا النبي وإنما عبدوا تصورا وهميا عنه مثله لهم شياطين الإنس والجن، فهذا التصور هو الذي سيتمثل لهم ويقودهم إلى النار وبئس الورد المورود.

إن الشرك نجاسة أشد خطرًا وأسوأ عاقبة من النجاسة الحسية، وهو في نظر الأسوياء أقبح وأردأ منها، والمشرك يرى لغير الله الاستقلال بالفعل والتأثير والقدرة مما يدفعه إلى الخضوع ظاهرا وباطنا له فيغفل بذلك عن ربه.

والشرك مرض يصيب الكيان الجوهري للإنسان والأمة، والمشرك يعيش في عالم وهمي نسجه له خياله أو نسجه له آباؤه ومشايخه، وفي حين لا يعترف الكافر إلا بما يقع تحت إدراكه المباشر وينكر الأمور الغيبية فإن المشرك يؤمن بالأمور الباطلة الوهمية، وبذلك ينحاز للباطل ضد الحق وللعدم ضد الوجود فيستحق بذلك غضب كل من نعم بالوجود، ولذلك ستتبرأ منه كل الكائنات بما فيهم الشياطين يوم القيامة، ومن أكبر أخطاء العامة الشركية تمسكهم بما كان عليه الأجداد من أمور استحدثوها منذ الطفولة البشرية، فهم عادة يميلون إلى تجسيد ما لا صورة له وإلى تجسيد الأمور المعنوية والأمور التي تعلو على مداركهم، وعلى سبيل المثال فقد عمد المصريون القدماء إلى تجسيد بعض السمات الإلهية بطريقة رمزية فجاء الأحفاد واتخذوا من تلك الرموز أوثانا، ولقد اتخذ الناس من الأولياء وأضرحتهم أربابا من دون الله تعالى عندما عزَّ عليهم إدراكه والتعامل المباشر معه، فهم لا يميلون أبدا إلى الأمور المطلقة، وعندما يعمدون إلى تفسير القرءان فإنهم يميلون دائما إلى التجسيم والتشبيه حتى  ولو كانت اللغة العربية تأباه وتسمح طبقاً لأساليبها الفنية والبلاغية المعلومة بالتفسير الذي ينزه الله عن التشبيه وكافة التصورات الدارجة، وهم دائما يميلون إلى ربط آيات القرءان العامة بأشخاص محددين معينين وكأن القرءان قد أنزل كقصيدة مدح لبعض من أسموهم بالصحابة أو لهجاء بعض الكفار والمشركين، ولقد قادهم مسلكهم هذا إلى اتخاذ بعض أكابر السابقين الأولين أربابا مع الله يكتبون أسماءهم على جدران المساجد بجوار اسم الله ويجعلون مما نسب إليهم ديناً ينسخون به ما ثبت في كتاب الله.

ومن أخطائهم مسلكهم الطفولي فيما يتعلق بأمور دينهم، فهم يتعلقون دائما بمن نصب من نفسه كهنوتا عليهم ويستعبدون أنفسهم له ويتخلون عما وهبوا من عقول طلبا لمرضاته ورهبة من تحمل المسئولية أو حمل الأمانة، ومن علامات شركهم أن يهرعوا على آثار آبائهم وأن يتخذوا دينهم لهوا ولعبا باستنزاله إلى مستوى عاداتهم بدلا من أن يرتفعوا إلى مستوى أوامره وقيمه ومثله.

*****

إن المشرك يزعم للمخلوق سمات خالقه التي توجب عبادته والتعلق به والخضوع له، فمن زعم أن مخلوقًا يملك من حيث ذاته الإعطاء والمنع والضر والنفع والتصرف المطلق في الأمور فإنه لابد من أن يتعلق به وأن ينقطع إليه وينشغل به عن خالقه ويقدمه عليه، ولقد أعلن الله تعالى أنه يدبر الأمر ويصرف الآيات حتى  لا يشرك أحد به، وكذلك أعلن أن التحليل والتحريم وكل تشريع ديني هو له وحده وندد بمن أعطوا لأحبارهم ورهبانهم سلطة التحليل والتحريم، فكل من زعم أن ما شرعه بنفسه هو من الدين وكل من ألزم الناس بطاعته واتباعه في أمر يخالف ما شرعه الله فلقد نازع ربه سلطانه وادعي لنفسه من الربوبية ما لا حق له فيه ومن اتبعه فقد اتخذه شريكا.

*****

ومن مظاهر الشرك استنبات طبقة كهنوتية تدعي لنفسها بالباطل السلطات والحقوق الإلهية والربانية فتشرِّع وتحرم ما لم يأذن به الله تعالى وتحتكر لنفسها الأمور الدينية، ومن الحقوق الإلهية التي ادعاها الكهنوت لنفسه حق استتابة الناس، ولقد أعلن الله تعالى أنه هو التواب والتواب الرحيم والتواب الحكيم كما نسب التوبة كفعلٍ إلى نفسه في آيات بينة مبينة حتى لا يأتي شخص يدعي ذلك الحق لنفسه، ومع ذلك ظهر من تمشيخوا على الناس وأعطوا لأنفسهم حق استتابتهم بل حق قتلهم إن أبوا ذلك، والحقّ هو أن قطعان الأنعام المحسوبة ظلما على البشر هم الذين ارتضوا ورضوا بذلك، بل واعتصموا بذلك!!

*****

والمشركون عدة أنواع:

1.     من اتخذوا بالفعل آلهة مع الله تعالى من بشر أو حجر أو كائنات أخرى.......، فهم يعبدونهم بصفة جلية ورسمية.

2.     من أقروا لله تعالى بما هو له ولكنهم عبدوا ما هو من دونه بزعم أنهم سيقربونهم إلى الله زلفى.

3.     من ادعوا شيئا من الشئون الإلهية الخاصة بالله لما هو من دونه.

4.     من اتخذوا شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ.

5.     الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فهؤلاء اتخذوا سدنة مذاهبهم عمليا وواقعيا أربابا مشرعين واتخذوا أقوالهم نصوصا دينية ملزمة.

6.     من لا يبتغون بعبادتهم وأعمالهم بالأصالة وجه الله تعالى.

ومن الواضح أن مجرد وجود مذهب يتعصب له الناس ويجعلون لمقولاته الخاصة المكانة العليا الحقيقية هو –لا محالة- لون من الشرك.

*****

ومن كبائر الإثم: تفريق الدين بمعنى أن يكون المسلمون شيعًا وأحزابًا متنافية متمانعة متصارعة، وهذا الإثم هو من لوازم ومظاهر الشرك، والآيات الآتية تبين ذلك:

{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}الشورى13  * {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}آل عمران103  *  {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }آل عمران105  *  {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159  *  أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} (الروم)

*****

ومن أنواع الشرك السائد عند المحسوبين على الإسلام اتخاذ شُرَكَاء يشَرِّعُون لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الشورى 21

ومن يشرِّع أمرا ويعتبره من الدين ويفرضه على الناس فرضا من حيث ذلك فقد جعل من نفسه شريكا لله تعالى، ذلك لأن التشريع هو شأن إلهي يترتب عليه كيانات في عالم الأمر فلا سلطان لإنسانٍ عليه، أما من ارتضى لإنسان أن يشرِّع في الدين من دون الله فقد اتخذه شريكا مع الله، فلا تشريع في الدين إلا لله تعالى، ولا حكم في الدين إلا لله تعالى، والرسل والأنبياء أنفسهم مأمورون باتباع ما شرعه الله تعالى من الدين وببيان ذلك للناس بعملهم وسلوكهم.

فمن أبشع صور الشرك إعطاء حق التشريع في الدين لأحد غير الله تعالى، وللرسل وحدهم حق التشريع بإذن الله تعالى في بعض الأمور الثانوية والتي تستلزم ذوقا بشريا، وقد خُتِم ذلك بختم النبوة، ومن ذلك ما قام به الرسول من جعل الحج مرة واحدة في العمر!

ولكشف المشركين أمام أنفسهم يمكن اتخاذ الإجراء المذكور في قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد} [الرعد:33]

فالتسمية هي ذكر السمات الأساسية للمسمى، ولذلك فعندما يشرع المشركون في تسمية شركائهم سيقيمون الحجة على أنفسهم بمجرد ذكر هذه التسمية.

*******

 

التحريم










التحريم

كل ما وصفه الله تعالى من الأفعال بأنه فاحشة أو إثم أو بغي هو محرم تحريما باتا، قال تعالى:

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [الأعراف:33]، {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} الأنعام

ومن المحرمات كل ما يستجد من صور الفواحش والإثم والبغي والظلم والغش والتطفيف وقتل النفس والشرك واتباع ما يحدثونه من سبل.

ويلاحظ أن كل الأمور التي تؤدي إلى تحريم أمرٍ ما متسقة ومتعاضدة، فالأصول الجامعة أو الأسماء العامة أو المصطلحات الدينية لكل ما هو محرم مذكورة في الكتاب العزيز وكذلك تفاصيلها ومظاهرها التي كانت معروفة لدى العرب ولكن بمضي الزمن واطراد التطور تستجد صور جديدة لتلك الأمور المحرمة، والقرءان بالطبع لم ينزل ليسرد كل ما يمكن أن يستجد من صور الإثم والفواحش كما لم ينزل ليسرد كافة أنواع الأسلحة اللازمة لإعداد القوة مثلا، فكما أن مفهوم "القوة" قد اتسع وبلغ أبعادا هائلة لم تكن لتخطر ببال السلف فكذلك الصور الممكنة لبعض المصطلحات الشرعية ليست بقابلة للحصر أصلا، بل ربما كانت أسماء أكثرها غير معروفة للعرب ولم يكن من الحكمة أبداً أن يحرَّم عليهم مثلا ما لا يعرفون له اسما ولا كنها بمثل ما أنه لم يكن مطلوبا منهم القتال باستعمال الصواريخ مثلا.

فمن مظاهر الإفساد في الأرض التي استجدت مثلا هناك الاتجار بالمخدرات والترويج لها والتحريض على تعاطيها وكذلك الاتجار بالأغذية الفاسدة أو المبيدات الممنوعة الضارة أو بالأدوية الفاسدة أو الترويج للأفلام الجنسية أو صور جديدة لأكل أموال الناس بالباطل مثل الشركات الوهمية مثلا، لذلك فعلى أولى الأمر المختصين بيان وتحريم كل ما يستجد من صور الفساد وهذا من باب إنزال الأمر العام على جزئياته ومظاهره وتفاصيله، ويجب العلم بأن كل القوانين والسنن تصرخ ضد من يقترف أمرا محرما وتعمل على الإيقاع به، وثمة ملائكة مسؤولون عن إنجاز كل ذلك، وتلك الكائنات ليست بحاجة إلى الاسترشاد بتشريع بشرى لمباشرة عملها، فهي تدرك الظلم مثلا بما لديها من ملكات وتصدر الحكم على الظالم عن أمر الله تعالى بناء على ما لديها من القوانين والسنن.

وتبين الآيات بعض علل تحريم أمر ما مثل:

1-             أن يتبين أن الأمر يتضمن إثما أو بغيا أو ظلما.

2-             أن يتضمن شركا، ومن ذلك السماح لبعض الأشخاص بالتشريع في الدين.

3-             أن يتضمن تقوُّلا على الله بغير علم.

4-             أن يكون السلوك فاحشا.

5-             أن يكون هذا الأمر مضاداً ومناقضاً لأمر موصوف بالحسن.

6-             أن يكون الإثم المترتب عليه أكبر من النفع.

7-             أن يؤدى إلى عدم انتفاع الإنسان بملكاته وتدهورها.

8-             أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناس.

إن التحريم سببه أن الأمر المحرم يؤدى إلى الإخلال بمقصد من مقاصد الدين أو التقصير في القيام بركن من أركانه، ولكن التحريم هو سلطة إلهية يترتب عليها تعين سنن كونية ترتب على موقف الإنسان من الأمر الإلهي النتائج اللازمة، لذلك يجب أن يكون ثمة نص قطعي الدلالة على الأمر المحرم، هذا مع العلم بأن هذا الأمر هو اصطلاح شرعي قابل للاتساع باطراد التقدم.

 كما يجب أن يكون هناك نص يحدد ما يجب اتخاذه بناءً على ذلك التحريم، وإلا فإنه توجد أمور محرمة كثيرة ومنهي عنها ولكن لا توجد نصوص تحدد عقوبات دنيوية على من يقترفها مثل الربا وعقوق الوالدين وكنز المال وقول الزور والكذب، بل لا توجد نصوص تحدد حتى ما يجب اتخاذه من إجراءات معه.

وللتوضيح فإن النص على أن في الخمر إثمًا كبيرا يعني بالضرورة أنها محرمة، ولكن كان الالتزام بذلك والعمل بمقتضاه مفوضاً إلى درجة كل واحد من التقوى والصلاح مثل أكثر المحرمات، فلم يمتنع عنها إلا عدد محدود، ولكن منعها القانوني والفعلي والتنفيذي لم يحدث إلا بعد نزول أمر صريح باجتنابها، وعندها أصبح من حق الأمة المؤمنة ممثلة في أولي أمرها أن تتخذ ما يلزم لتنفيذ الأمر الإلهي، كما أصبح من حقها سنّ ما يلزم من عقاب للمخالف وإن لم يوجد نص عليه.

والحق هو أن كل ما نهى الله تعالى عنه أو أمر باجتنابه يصبح بالضرورة أمرا محرما، ويجب العلم بأن كلمة "محرم" لها معنيان مترابطان:

       1.               محرم بمعنى ما يسميه الناس بالـ"مقدس"؛ أي يجب توقيره ولا يجوز انتهاكه Should not be violated or infringed، وهذا يُطلق على كل أمر إلهي، ولذلك قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)} الأنعام، فالأمر "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" ليس أمرا محرما بمعنى "ممنوع"، ولكنه أمر محرَّم بمعنى أنه مقدس"؛ لا يجوز انتهاكه بل يجب توقيره والعمل بمقتضاه، أما الأمر الممنوع والمنهي عنه بمقتضى الأمر المحرم فهو عقوق الوالدين.

       2.               محرم كصفة للشيء أو الموضوع ذاته، وهذا مترتب على المعنى الأول، فوصف الموضوع بالمحرم يجب أن يُفقه في سياق الأمر المحرِّم ذاته، فتحريم الابنة على أبيها مثلا يعني منع نكاحها أو التعامل الجنسي معها فقط لا غير، ولا يعني أنها كائن محرم تحريما مطلقا، فلا يعني هذا مثلا أنه لا يجوز له القيام بواجباته كوالد وأب تجاهها، وتحريم الخمر يعني تحريم شربها وتحريم لحم الخنزير يعني فقط تحريم اتخاذه طعاما.    

والتحريم هو أمر إلهي يترتب عليه سنن إلهية كونية، ولذلك يجب على أولى الأمر ألا يحرِّموا ما لم يرد نص قاطع بتحريمه إلا إذا كان مندرجاً تحت كبيرة من كبائر الإثم والفواحش، ومن الأمور التي تحقق هذا الشرط:

1.           كل ما يؤدى إلى انتهاك حق من حقوق الإنسان.

2.           كل ما يؤدى إلى انتهاك كرامته.

3.           كل ما يؤدى إلى إفساد العلاقات السوية بين الناس.

4.           كل ما يؤدى إلى تدهور ملكات الإنسان وقدراته.

5.           كل ما يناقض مقاصد الدين العظمي ومنظومة القيم الإسلامية أي كل ما كان متفقاً مع المنظومة الشيطانية، ومنها على سبيل المثال: الظلم؛ وهو من أركان المنظومة الشيطانية، وهو مضاد للعدل الذي هو من أركان منظومة القيم الإسلامية، فيجب أن تكون كل القوانين محققة للعدل متسقة مع مقتضياته، مانعة ومجرمة للظلم، ومنها كذلك إهدار وتبديد المال أو إنفاقه على مظاهر الترف الجوفاء، فهو محرم بمقتضى الأمر بالإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإسراف والتبذير والنص على أن المبذرين إخوان الشياطين.

وسمات الدين العالمية تقتضي ألا يتم تحديد صور المعاملات، فلا يمكن تحديد ما هو سيال بطبيعته، فدائما ستستجد صور جديدة من المعاملات بين الناس وبين ما يستجد من كيانات إنسانية، لذلك كان تركيز الرسالة الخاتمة على بيان القيم العليا والسنن الثابتة الكبرى التي هي مقتضيات أسماء الله الحسنى، ومن هذه القيم الحق والعدل والرحمة والقسط واحترام كرامة الإنسان وأداء الأمانات إلى أهلها، وكلما استجد ما يستلزم سنَّ تشريع جديد فيجب أن تكون هذه القيم حاضرة في قلوب أولي الأمر المشرعين عند سنهم هذا التشريع.

*******

المنظومة المعنوية الإسلامية (المنظومة الأمرية الرحمانية) هي منظومة القيم والمبادئ والمثل والصفات والأخلاق التي يجب أن يتحقق بها الإنسان لكي يكون إنسانا ربانيا صالحا مفلحا، وهي المقتضيات المعنوية الأمرية للصفات الرحمانية في الكيان الإنساني، إن الاعتداد بتلك المنظومة والتي هي ثابتة بالقرءان ثبوتًا قطعيا وأخذها في الاعتبار كافٍ تماما لسن التشريعات فيما يستجد من الأمور دونما حاجة إلى الكدح في تتبع الآثار والتحقق من صحتها، ومن حيث تلك المنظومة فإن كبائر الإثم كالظلم والجور والعدوان والبغي والأجرام وانتهاك حقوق وكرامة الإنسان والإفساد في الأرض (ومن ذلك تبديد الموارد وإهدار الثروات) كلها محرمة تحريمًا باتا فليس ثمة حاجة إلى التحريم بالقياس؛ فالاتجار بالمخدرات أو تعاطيها مثلا هو محرَّم ومجرَّم لأنه إفساد في الأرض ولأنه شروع في قتل النفس أو الآخرين والعدوان على حقوقهم ولأنه إهدار للمال وليس مجرد تبذير ولأنه إنفاق في سبيل الشيطان وليس في سبيل الرحمن، وتعاطي المخدرات هو من باب قتل النفس فهو محرم كما يحرم الانتحار.

*******

ليس الأصل في كل الأشياء هو الإباحة، فقد يكون الأصل فيها هو الحرمة، وذلك مثل النفس والمال والعرض وحقوق الناس والدماء، فكلها الأصل فيها الحرمة على الآخرين، ولا تحل لأحد إلا بأمر ديني واضح وبيِّن.

فالأشياء أو الأفعال التي هي محرمة بالأصالة ليست بقليلة العدد، وهي لا تقل في الأهمية عما هو مباح بطبعه، لذلك لا معنى للقول بأن: "الأصل في الأشياء الإباحة".

والتحريم هو أمر ديني يترتب عليه سنة كونية أي قانون كوني يربط الفعل بالنتيجة أو الأثر المترتب عليه، ويقوم على مراقبة الالتزام بالقانون الملائكة والجنود، فلا يملك بشر سلطة كهذه، وما تبقى للبشر هو كشف ما يمكن أن يندرج تحت أصل شرعي أو مصطلح ديني محرَّم، وهذه الأمر منوط بأولي الأمر المختصين، وقد يكون واضحا بذاته للناس، ومن ذلك التدخين وتعاطي المخدرات، فكلها تندرج تحت أشياء محرمة أو منهي عنها نهيا قطعيا في الإسلام، فتأخذ حكمها، وهذا ليس تحريما بشريا، فالتدخين منهي عنه لما يلي:

1.    التبذير منهي عنه، بل هو يجعل الإنسان أخًا للشيطان، والتبذير هو الإنفاق الزائد على الحد في أمر مشروع، أما التدخين فهو إهدار وتبديد للمال دون أية فائدة، فهو أسوأ من التبذير.

2.    التدخين يلحق أضرارا بالغة بالجسم الإنساني، وهذا الجسم ليس ملكا للإنسان بل لخالقه، فالمدخن يلحق الضرر بما ليس ملكا له.

3.    التدخين يتضمن اعتداءً على حقوق الآخرين، والاعتداء منهي عنه.

4.    التدخين يتسبب في تلويث البيئة، وهذا من الإفساد في الأرض.

5.    التدخين يتضمن إنفاقًا للمال في غير سبيل الله تعالى.

6.    التدخين يتضمن اعتداءً على حقوق من يعولهم المدخن.

أما تعاطي المخدرات فيتضمن بالإضافة إلى ذلك إلحاق أضرار جسيمة بأثمن ما لدى الإنسان من ملكات، وهذا مضاد لأركان دينية عديدة، فهو من كبائر الإثم.

*******

تحريم أمر يعني أنه لا يجوز مقارفته أو لا يجوز انتهاكه: (shall not be infringed or violated)، لذلك فهو مفهوم واسع يشمل تحريم مكان مثلا وتحريم أمر أو قانون (منع انتهاكه)، ومن ذلك فمكة قد حرَّمها الله تعالى، والزوجة محرَّمة على غير زوجها، والقول "وبالوالدين إحسانا" هو أمر لا يجوز انتهاكه.

*******

إن الأمر أو السؤال أو البيان (The statement) يمكن أن يكون محرَّما بمعنى أنه لا يجوز لإنسان انتهاكه (The human shall not infringe it)، ومن البيانات والأسئلة التي تتضمن نهيا: "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"، "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، "أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِين"، "إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين"، "إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين"، "إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين"، "وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين"، "أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِين"، "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ".

أما النهي فأمره واضح.

*******

كلمة "الخبائث" هي مصطلح شرعي قابل للاتساع باطراد التقدم ونمو الحضارة، فمن الخبائث الآن السجائر والمخدرات بكافة أنواعها.

كلمة "حرام" كلمة كبيرة، لا يجوز الإسراف في استعمالها، حتى وإن تطلبها القياس، والحكم على الشيء فرع من تصوره، لابد من توفر قدر كافٍ ودقيق من المعلومات قبل الحكم!

*******

في أمور التحليل والتحريم للرسول حق البيان، ذلك لأنه أعلم الناس بآيات القرءان وبمنهج القرءان، فلم يكن أكثر قومه يحفظونه كاملا ولم يكن أكثرهم يجيد التعامل معه، وكذلك كان أعلم الناس بطبيعة رسالته وأنها لم تبدأ من الصفر وإنما هي تتويج للدين الإلهي الواحد، لذلك كان عليهم أن يسألوه فيحرم عليهم ما حرم القرءان ويحل لهم ما أحلّ القرءان.

مثال:

الحكم القرءاني الخاص بقضيةٍ قد يرد موزعا على آيات عديدة طبقاً لطبيعة المنهج القرءاني، قد يعرف أحدهم آية أو عبارة من آية فيأخذها لوحدها ويستخرج منها لوحده حكما وهو يجهل أنه توجد آيات أخرى عديدة تلقي مزيدا من الضوء على هذه المسألة، أو قد يعلم آيتين مثلا فيتصور لأي سبب أنه يوجد اختلاف بينهما!!

لذلك فإن القول: ما حرَّم الرسول هو كما حرَّم الله يعني أن رسولنا يبين للناس الحكم القرءاني ولا يحرم شيئا من عنده ويعني أنه أكثر الناس قدرة على التعامل مع القرءان الكريم، وما استخلصه للناس هم ملزمون به لأنه هو الحكم القرءاني! وكل الناس ملزمون بهذا الحكم إذا ما وصلهم بطريقة يقينية قطعية، وبالطبع ليس كل أثر نسبوه إليه يحقق هذا الشرط.

*******

تحليل صيد البحر هو تحليل مطلق، وتحريم صيد البر مقيد بحالة كونهم حرما، والنص على تحليل صيد البحر كان لابد منه؛ لأن الميتة محرمة، وأكثر صيد البحر يموت بمجرد مفارقته البحر!

أما حالة الإحرام فهي ليست خاصة بالمكان فقط، بل بالزمان أيضا، فصيد البر محرم أيضا في الأشهر الحرم الحقيقية.

*******

قال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون} [التوبة:31]

عندما تلا الرسول هذه الآية على عديِّ بن حاتم قال عدي وكان نصرانيًّا قبل إسلامه إنهم ما عبدوهم، فأوضح له الرسول أنهم عبدوهم لكونهم كانوا يلتزمون بما يقررونه لهم في أمور التحليل والتحريم؛ أي كانوا يتخذونهم مشرعين في الدين، وبذلك جعلوهم أربابا لهم، وخضوعهم لهم في ذلك وإقرارهم الباطني والظاهري لهم بتلك المكانة هي عين عبادتهم إياهم.

فعبادة أي كائن لكائن آخر هي الخضوع الباطني له والإقرار له بما هو حق لله تعالى، وممارسة العبادة هي العمل ظاهرا بمقتضى ذلك، والدعاء هو من العبادة، بل هو لب العبادة، فهو إقرار للمدعو بقدرته على تدبير الأمور وتصريف المقادير.

أما عبيد السلف من كافة المذاهب فيعطون لهم ما هو حق لله تعالى بل ما هو أكثر، وعبادة أكثر عبيد السلف لله ليست إلا حركات ظاهرية وعادات اجتماعية لا أثر لها في حياتهم ولا في تزكية أنفسهم كما هو معلوم، بل إنها غالبا ما تحولهم إلى كائنات بشعة ودواب خطرة!

إن من صور العدوان المحرمة تحريما قطعيا أن يحرِّم شخصٌ ما جعله الله تعالى حلالاً طيبا، فهذه محاولة اعتداء على حق إلهي.

*******

الفعل هو فعل محض، وحكمه الشرعي أو الديني يقرره الله تعالى، ولذلك أحلّ للصائمين مثلا الرفث إلى نسائهم في ليالي الصيام بعد أن كان محرماً عليهم طبقا لشريعة من كان قبلهم!! فالفعل واحد وتغير عليه الحكم من التحريم إلى التحليل!

*******

الحرام مفصَّل في القرءان، ولا تحريم بالقياس، ومن المعلوم أن المذهب السلفي الوهابي من المذاهب الضالة التي حلَّت محل الإسلام تحت إشراف إبليس نفسه، وكان الهدف منه هو إبقاء المحسوبين على الإسلام في الدرك الأسفل من جحيم الجهل والضعف والتخلف! وسدنة هذا المذهب كانوا دائما ضد الأخذ بأي شيء من منجزات الحضارة الحديثة، وكان التحريم سلاحهم الذي استعملوه دائما لمقاومة التقدم والتحديث.

*******

التحريم من السلطات الإلهية، والرسول يبين للناس ما حُرِّم عليهم في كتاب ربه، ولقد خُتِمت النبوة، فليس لمخلوق أن يدعي لبشر سلطة التحريم وإلا فإنه يكون مشركا، أما من أعطى لنفسه سلطة التحريم فإنه بذلك يختلس لنفسه سلطات ربه، ليس لأحد إلا أن يبين للناس ما هو من منطوق وفحوى آيات القرءان بهذا الخصوص.

*******

إنه يجب دائما الالتزام بالسنن الإلهية الشرعية، لا يجوز الامتناع عما أحله الله تعالى لعباده من الزينة والطيبات من الرزق، وأكل اللحوم لازم لكي ينمو الإنسان سويا على كافة المستويات، أما تحريم أكلها فهو عدوان على شريعة الله تعالى، ولكن يجوز التقليل منها أو الامتناع عنها لأسباب صحية أو على سبيل التريض، والصيام بصفة عامة يؤدي إلى تقوية حواس الإنسان الباطنة، وهو ما يسمونه بالجانب الروحاني.

*******

التحريم هو جعل موضوع التحريم منطقة ممنوع انتهاكها منعًا باتًّا:

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الأنعام:151]

فالأمور المحرمة هي الأوامر المقدسة والممنوع انتهاكها:

1.                لا تُشْرِكُواْ بِاللهِ شَيْئا.

2.                بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً

3.                لاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ.

4.                لاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

5.                لاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ

ومن المحرمات الكيانات كالنفس مثلا، فهي في ذاتها كيان مقدس أي محرم بالنسبة لمن حُرِّمت عليه.

*******

لا يجوز تحريم أي عمل إلا بنص قرءاني، وكل إنسان مأمور بالقيام بكل الأوامر القرءانية بقدر وسعه وأن يقدم الأهم فالمهم، والأوامر الإلهية تنتظم في أنساق طبقا لدين الحق الماثل في القرءان وليس طبقا للمذاهب التي حلت محله، وعلى العموم لقد أضاع الناس توقيتات الحج الحقيقية، وأشهر الحج يمكن معرفتها بالعلم بأن هلال رمضان هو الهلال الذي يظهر في شهر سبتمبر وأن أول أشهر الحج هو شهر ذي الحجة، ولكنه شهر من أشهر الحج المعلومات.

*******

من ثوابت الإسلام الراسخة أن الإنسان كائن مريد مختار حامل للأمانة ومكلف ومستخلف في الأرض ومطالب للسعي للتحقق بأعلى مراتب الكمال في الدنيا والآخرة، لذلك لا يجوز استعباده، وكانت مصادر الرقيق ما يلي والتي تصدى لها الإسلام:

1- أسرى الحروب، وقد قرر الإسلام أن حكم الأسير هو المنّ بإطلاق سراحه أو قبول الفدية منه، وقد جعل الإسلام من إطعام الأسير من أعمال الإحسان الكبرى، وجعل تحرير العبيد من أعظم القربات ومن كفارات الذنوب.

2- الربا بمفهومه الحقيقي وهو مضاعفة الدين على المدين كلما عجز عن السداد في الوقت المحدد، حتى يعجز تماماً عن الوفاء به فيتم استعباده لاستيفاء الدين منه، وقد حرَّم الله تعالى هذا النوع من الربا تحريما مشددا وهدد من لم ينته عنه بحرب من الله ورسوله.

3- الإغارة على القبائل والشعوب الأخرى بهدف الاستيلاء على غلمانهم وسبي نسائهم للاتجار بهم، وهذا العمل من كبائر الإثم ومن الإفساد في الأرض ومن العدوان، وكل ذلك منهي عنه نهياً باتاً.

ولم يأت دين غير الإسلام بمثل هذه الأحكام التي تتصدى للاتجار بالبشر، والإسلام ليس مسئولاً عن أعمال أكابر المجرمين والمفسدين في الأرض الذين استعبدوا الناس واسترقوهم لإشباع شهواتهم ولمعالجة ما يعانون منه من سعار جنسي أو ليربوا الغلمان تربية عسكرية ليستعملوهم كحرس خاص ليحموهم من شعوبهم.

ولكن لما كان الرق من أعمدة النظم القديمة، ولم يكن من الممكن أن تجتمع قادة الشعوب ليتفقوا على تحريمه من خلال قرارات أممية ملزمة فقد كان لابد للإسلام من أن يتعامل بواقعية مع وجود هذه الأنظمة فيقرر للعبيد حقوقهم ويحدد أساليب التعامل بين العبيد وبين السادة بما يحقق القسط والعدل، وليس في ذلك إقرار بمشروعية الرق، بل حكمه حكم أحكام الاضطرار.

*******

إن تحديد ما غلب ضرره نفعه ولم يكن ثمة نص على تحريمه هو منوط بأولي الأمر الحقيقيين، وهو يتضمن الكثير من الأمور المستحدثة والمستجدة، ولكن قد يحدث الخلاف في تقدير هل غلب ضرره نفعه أم لا؟ فهذا الأمر يعتمد على طبيعة العصر والمصر والملابسات والظروف، وقد يتغير، لذلك قلنا إن التحديد منوط بأولي الأمر الحقيقيين.

*******

إن الآيات التي عالجت موضوع الخمر لم تتدرج بالناس من التحليل إلى التحريم ولا من درجات تحريم إلى تحريم مطلق ولا من تحريم جزئي إلى تحريم كلي، وإنما تدرجت بهم من التحريم بالإشارة أو بمفهوم النص أو بشيء من الاستنباط إلى التحريم بمنطوق النص، ولا توجد في هذه الآيات آيات منسوخة، فكل ما ورد فيها ملزم للناس إلى يوم القيامة!

*******

من الاعتداء والطغيان تجاوز الأوامر الإلهية ظنًّا أن ذلك من باب الطاعة، فليس لأحد أن يحرم ما هو مباح أو مسكوت عنه، ولا يجوز لأحد أن يتصور أن ربه كان نسيا، الآيات التي ورد فيها تحريم هي آيات محكمات تتضمن أوامر محكمة لا مجال للتشابه أو الظن فيها، ولا تحريم بالاقتداء أو بالقياس.

*******

إن كل مقومات وأصول المنظومة الشيطانية مثل كبائر الإثم والفواحش محرمة لذاتها تحريماً مطلقا، وكلها هي ومقتضياتها مفاسد يجب دفعها، فالأصل هو التحريم في كبائر الإثم والفواحش بكافة صورها بما فيها ما يمكن أن يستجد، وكبائر الإثم منها الظلم والعدوان والبغي والإفساد في الأرض والافتراء كذبا على الله تعالى والإسراف، فهي كل ما يكون فيه عدوان على حقوق الكائنات، وكذلك كل عمل يهدف إلى إغواء الإنسان ودفعه إلى ارتكاب الرذائل، ومن الكبائر أيضاً ازدراء القوانين والسنن ومحاولة انتهاكها والعمل بما يضاد مقتضياتها، أما فيما دون ذلك فلا تحريم إلا بنص قطعي الدلالة، فلا يجوز التحريم بالقياس، ولكن يجب بيان أن كل ما ثبت اندراجه تحت مصطلح شرعي محرم هو بالضرورة محرم، ويجوز لأولى الأمر سن قوانين لمنع التعامل مع ما ثبت ضرره، ولكن هذا القانون يظل قانوناً بشرياً وضعياً ولا يُعد تشريعاً دينياً وهو واجب الطاعة من حيث وجوب طاعة أولى الأمر ومن حيث أن هؤلاء وفقاً لتعريفهم قد تحروا مقاصد الشريعة وأصولها ومنظوماتها أثناء سن القانون.

*******

إن أولي الأمر لا يملكون سلطة التحريم ولكن عليهم واجب البيان؛ وهذا يعني أن لهم أن يبينوا أن أمراً ما هو في الحقيقة مناقض لقيم الإسلام ومضاد لمقاصده العظمى أو أنه يتضمن كبيرة من كبائر الإثم، وهم مطالبون بتقديم ما يلزم من براهين وحجج وبينات، وعلى الناس واجب إطاعتهم، وبالتالي فعليهم أن يجتنبوه وأن ينتهوا عنه، وبالتالي فالتدخين هو أمر محرم لما يتضمنه من اقتراف بعض كبائر الإثم، وقد يقول قائلهم إذا ثبت أن تناول اللحم المحتوي على دهون مثلا ضار بالصحة هل يُحرَّم بسبب ذلك؟ والجواب هو إنه لا يمكن أن يكون تناول لحوم الأنعام ضارا بالصحة بصورة مطلقة وإلا لما أحله الله للناس، ولكن قد يكون اللحم ذو الدهون ضارا بأحد الناس مثلاً لأسباب متعددة، ولأولي الأمر عندها أن ينهوا هذا الإنسان عن تناول اللحوم، بل ولهم حق منعه إذا لزم الأمر، والمقصود بأولي الأمر هنا الأطباء ذوو الإلمام الكافي بدين الحق، ولكن ليس لهم أن يحرموا عليه ولا على غيره تناول اللحم، ولو فعلوا لما كانوا أولي أمر أصلا.

*******

إن تعاطي المخدرات محرم لأنه يتضمن اقتراف الكثير من كبائر الإثم المحرمة، وعلى أولي الأمر بيان ذلك للناس، ولا يجوز هاهنا التعلل بحق الإنسان في التصرف في جسمه وماله كيف يشاء، فجسمه وماله ليسا ملكا خالصا له، وإنما هو مستخلف فيهما بإذن الله، كما أن للآخرين حق في ماله، ولأولاده الصغار حق في أن يكون صحيح الجسم قادرا على رعايتهم، والإنسان بحكم فطرته يحب الحرية بل ويقدسها، ويصعب عليه أن يتقبل النهي عن شيء يهواه، ولكن لو ترك وشأنه ولم ينتفع بمعطيات العلوم وخبرات البشر فسيهلك نفسه ويندم حين لا مجال للندم.

إن تحريم تعاطي المخدرات ليس بالقياس على تعاطي الخمر، فلا تحريم بالقياس، ولكن لأنه يتضمن آثاماً محرمة منها: إهلاك الجسم، قتل النفس، تبديد الوقت، تبديد المال في حين أن التبذير منهي عنه، تقطيع الأرحام، الإخلال في القيام بأركان الدين، إهدار الكرامة، تضييع الحقوق، إفساد العلاقات بين الناس، الإفساد في الأرض......الخ

ولا يجوز هاهنا القول بأن أكل الدهون قد يؤدي هو أيضاً إلى الهلاك، فهي أصلا من الطعام الحلال المفيد، ولكن يوجد نهي ديني عام عن الإسراف في الأكل والشرب، وإنفاق الأموال بغزارة على تعاطي الملذات الحسية من أكل وشرب ونكاح هو من باب الترف المؤدي إلى هلاك الأفراد ودمار الأمم.

*******

إن الظلم والبغي والعدوان والإجرام والطغيان والإفساد في الأرض من المحرمات طبقا لآيات قرءانية قطعية الدلالة، وتورط طائفة في البغي يوجب على المؤمنين قتالها حتى وإن كانت هذه الطائفة من المؤمنين، ولذلك ليس من حق إنسان أن يقتل إنسانا أو حيوانا بغير حق أي بغير مبرر شرعي ولا يحتاج هذا إلى قياس على شيء ولا إلى الأخذ بشرائع أمم سابقة، وصور كبائر الإثم هذه قابلة للتغير والتجدد مع اطراد التقدم.

*******

ليس صحيحًا أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلابد من نصوص دينية، والأصل في الدماء والأعراض والأموال الحرمة، وما يسمي الآن بالعلاقات الجنسية محرمة كلها إلا ما أُحل منها، وهو منصوص عليه، وقتل الدواب محرم لأن سفك الدماء محرم، وكذلك الإفساد في الأرض، ولأنها أمم مثل البشر، ولكنه من ناحية أخرى لازم للحصول على اللحوم، لذلك فأكل اللحوم حرام إلا ما أُحل منها، وما أحل منها هو بهيمة الأنعام التي يرعاها الناس أي الناس مطلقا، أي الأنعام والطيور النباتية بصفة عامة، وهذا يقتضي أيضا ألا تأكل هذه الأنعام إلا النباتات بصورتها الطبيعية أو المعالجة، ولا يجوز أن يتضمن طعامها ما كان ذا أصل حيواني، فبهيمة الأنعام المستأنسة كلها حلال إلا ما حُرم منها، أما صيد البحر فهو حلال بكل صوره، ومن ذلك الحيوانات البحرية.

 

*******

من أكبر الآثام:

1.       خطأ الإنسان في حق ربه ومن ذلك إنكار وجوده أو الإلحاد في أسمائه أو تشبيهه بخلقه أو ادعاء سماته ومكانته لمن هم من دونه أو اتخاذ بعض الناس أربابا مشرعين في الدين من دونه أو الكفر بشيء مما نسبه إلى نفسه من أسماء أو سمات أو أفعال أو شؤون، وتلك الآثام وكل ما يترتب عليها من الكفر والشرك والنفاق والفسق ذات آثار ساحقة ماحقة على كيان الإنسان الجوهري وهي تؤدى إلى مسخ ذلك الكيان.

2.        هجران ما أنزل الله تعالى من الكتاب كليا أو جزئيا ومن ذلك الكفر أو التكذيب بالآيات أو ببعضها أو عدم العمل بها أو القول بنسخها أو الإعراض عنها تحت أي مسمى من المسميات أو ترك تدبرها أو إعمال الملكات فيها أو الامتناع عن اتخاذها المصدر الأعلى لمنظومات القيم والسنن والأوامر. 

3.       الجهل بقدر الرسول الأعظم والنبي الخاتم وما يترتب على ذلك من الخطأ في حقه أو التهوين من قدره أو إنكار كونه خاتم النبيين أو إنكار أي كمال هو له أو مكانة هو يستحقها.

4.       اقتراف ما هو مضاد لأركان الدين الكبرى ومقاصده العظمى أو منظومة قيمه. 

 

*******

 

 

 



 الاسم الشهيد             *الاسم الشهيد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَج...