الخميس، 22 يناير 2026

الشرك

 

 

 

 

 

 

 

الشرك هو نسبة ما هو لله تعالى وحده إلى غيره ومن ذلك محاولة إضفاء السمات الإلهية الخاصة على ما هو من دونه من الكيانات مثل المخلوقات أو التشريعات البشرية الوضعية أو الأقوال أو الأحوال أو الظواهر الطبيعية، وهذا يتضمن اتخاذ بعض البشر أربابًا مشرعين في الدين، والشرك لابد أن يكون له آثاره العدمية فهو يؤدي إلى انحطاط المشرك وتدهور كيانه الجوهري.

إن الشرك من أبشع صور الظلم، ذلك لأنه يتضمن عدوانا على حقٍّ من حقوق الله، ولكل اسم من أسماء الله حقوقه التي يجب على المسلم أن يعلمها حتى لا يقع في لون من ألوان الشرك.

والله تعالى هو الأصل والمصدر الأوحد لكل حسن وكمال في الوجود، وليس لمن هم من دونه من حيث ذواتهم إلا نقصهم الأصلي، فلا تتحقق صفة حسنة إلا بالله تعالى، ومن الشرك ظن الإنسان استقلاله بما هو له من الصفات الحسنة وما يترتب عليها، ومن الصفات العلم، ولقد ظن قارون استقلاله بالعلم وبما أوتي بسبب العلم فأهلك نفسه.

ومن الشرك أن ينسب الإنسان النعمة وكشف الضر لغير ربه دون أن يقر بأصل الفضل له، وعلى كل مسلم أن يعلم أن كل كمال أو فضل هو بالأصالة لله تعالى وأنه ليس لدى من هم من دونه إلا نقصهم الذاتي، وأنهم مع ذلك آلات لإيصال الخير للإنسان، ولكن على الإنسان ألا يفتتن بهم وألا ينحجب بهم عن ذي الفضل الحقيقي.

إن من أهم ضروب الشرك محاولة إكساب الظواهر والأشياء المتغيرة الفانية طابع الثبات والدوام والبقاء، ذلك لأن البقاء هو بالأصالة صفة إلهية ولا تكون إلا لله وأسمائه ومقتضياتها من السنن والكلمات، ولقد أشرك من ظن لجنته البقاء الأبدي، وقاده ذلك إلى الكفر باليوم الآخر، فعاقبة هذا الضرب من الشرك وخيمة، ومن أبرز مظاهره محاولة إيقاف عجلة التطور ومحاولة صاحب كل أمر أو مهنة توريث الأمر بالباطل لأحد ذويه ومنع الآخرين من القيام به.

إن أكبر الكبائر هو الشرك، فهو يتضمن الزعم بوجود ما هو في ذاته معدوم، فهو بذلك يتضمن أكبر قلب للحقائق ووضع للأمور في غير نصابها، وهو بذلك الظلم العظيم الذي يتضمن أكبر عدوان على حقوق الكائن الأجلّ الأعظم الذي له الوجود المطلق، فالشرك يتضمن نسبة ما هو خاص به إلى من هو من دونه، والمشرك يتجه بعبادته إلى غير الله تعالى من الشركاء المزعومين، كما يدعي لهم السمات الإلهية، والمشرك الذي يعبد أحد الصالحين كمن يعبدون أحد الأنبياء مثلا ما عبدوا هذا النبي وإنما عبدوا تصورا وهميا عنه مثله لهم شياطين الإنس والجن، فهذا التصور هو الذي سيتمثل لهم ويقودهم إلى النار وبئس الورد المورود.

إن الشرك نجاسة أشد خطرًا وأسوأ عاقبة من النجاسة الحسية، وهو في نظر الأسوياء أقبح وأردأ منها، والمشرك يرى لغير الله الاستقلال بالفعل والتأثير والقدرة مما يدفعه إلى الخضوع ظاهرا وباطنا له فيغفل بذلك عن ربه.

والشرك مرض يصيب الكيان الجوهري للإنسان والأمة، والمشرك يعيش في عالم وهمي نسجه له خياله أو نسجه له آباؤه ومشايخه، وفي حين لا يعترف الكافر إلا بما يقع تحت إدراكه المباشر وينكر الأمور الغيبية فإن المشرك يؤمن بالأمور الباطلة الوهمية، وبذلك ينحاز للباطل ضد الحق وللعدم ضد الوجود فيستحق بذلك غضب كل من نعم بالوجود، ولذلك ستتبرأ منه كل الكائنات بما فيهم الشياطين يوم القيامة، ومن أكبر أخطاء العامة الشركية تمسكهم بما كان عليه الأجداد من أمور استحدثوها منذ الطفولة البشرية، فهم عادة يميلون إلى تجسيد ما لا صورة له وإلى تجسيد الأمور المعنوية والأمور التي تعلو على مداركهم، وعلى سبيل المثال فقد عمد المصريون القدماء إلى تجسيد بعض السمات الإلهية بطريقة رمزية فجاء الأحفاد واتخذوا من تلك الرموز أوثانا، ولقد اتخذ الناس من الأولياء وأضرحتهم أربابا من دون الله تعالى عندما عزَّ عليهم إدراكه والتعامل المباشر معه، فهم لا يميلون أبدا إلى الأمور المطلقة، وعندما يعمدون إلى تفسير القرءان فإنهم يميلون دائما إلى التجسيم والتشبيه حتى  ولو كانت اللغة العربية تأباه وتسمح طبقاً لأساليبها الفنية والبلاغية المعلومة بالتفسير الذي ينزه الله عن التشبيه وكافة التصورات الدارجة، وهم دائما يميلون إلى ربط آيات القرءان العامة بأشخاص محددين معينين وكأن القرءان قد أنزل كقصيدة مدح لبعض من أسموهم بالصحابة أو لهجاء بعض الكفار والمشركين، ولقد قادهم مسلكهم هذا إلى اتخاذ بعض أكابر السابقين الأولين أربابا مع الله يكتبون أسماءهم على جدران المساجد بجوار اسم الله ويجعلون مما نسب إليهم ديناً ينسخون به ما ثبت في كتاب الله.

ومن أخطائهم مسلكهم الطفولي فيما يتعلق بأمور دينهم، فهم يتعلقون دائما بمن نصب من نفسه كهنوتا عليهم ويستعبدون أنفسهم له ويتخلون عما وهبوا من عقول طلبا لمرضاته ورهبة من تحمل المسئولية أو حمل الأمانة، ومن علامات شركهم أن يهرعوا على آثار آبائهم وأن يتخذوا دينهم لهوا ولعبا باستنزاله إلى مستوى عاداتهم بدلا من أن يرتفعوا إلى مستوى أوامره وقيمه ومثله.

*****

إن المشرك يزعم للمخلوق سمات خالقه التي توجب عبادته والتعلق به والخضوع له، فمن زعم أن مخلوقًا يملك من حيث ذاته الإعطاء والمنع والضر والنفع والتصرف المطلق في الأمور فإنه لابد من أن يتعلق به وأن ينقطع إليه وينشغل به عن خالقه ويقدمه عليه، ولقد أعلن الله تعالى أنه يدبر الأمر ويصرف الآيات حتى  لا يشرك أحد به، وكذلك أعلن أن التحليل والتحريم وكل تشريع ديني هو له وحده وندد بمن أعطوا لأحبارهم ورهبانهم سلطة التحليل والتحريم، فكل من زعم أن ما شرعه بنفسه هو من الدين وكل من ألزم الناس بطاعته واتباعه في أمر يخالف ما شرعه الله فلقد نازع ربه سلطانه وادعي لنفسه من الربوبية ما لا حق له فيه ومن اتبعه فقد اتخذه شريكا.

*****

ومن مظاهر الشرك استنبات طبقة كهنوتية تدعي لنفسها بالباطل السلطات والحقوق الإلهية والربانية فتشرِّع وتحرم ما لم يأذن به الله تعالى وتحتكر لنفسها الأمور الدينية، ومن الحقوق الإلهية التي ادعاها الكهنوت لنفسه حق استتابة الناس، ولقد أعلن الله تعالى أنه هو التواب والتواب الرحيم والتواب الحكيم كما نسب التوبة كفعلٍ إلى نفسه في آيات بينة مبينة حتى لا يأتي شخص يدعي ذلك الحق لنفسه، ومع ذلك ظهر من تمشيخوا على الناس وأعطوا لأنفسهم حق استتابتهم بل حق قتلهم إن أبوا ذلك، والحقّ هو أن قطعان الأنعام المحسوبة ظلما على البشر هم الذين ارتضوا ورضوا بذلك، بل واعتصموا بذلك!!

*****

والمشركون عدة أنواع:

1.     من اتخذوا بالفعل آلهة مع الله تعالى من بشر أو حجر أو كائنات أخرى.......، فهم يعبدونهم بصفة جلية ورسمية.

2.     من أقروا لله تعالى بما هو له ولكنهم عبدوا ما هو من دونه بزعم أنهم سيقربونهم إلى الله زلفى.

3.     من ادعوا شيئا من الشئون الإلهية الخاصة بالله لما هو من دونه.

4.     من اتخذوا شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ.

5.     الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فهؤلاء اتخذوا سدنة مذاهبهم عمليا وواقعيا أربابا مشرعين واتخذوا أقوالهم نصوصا دينية ملزمة.

6.     من لا يبتغون بعبادتهم وأعمالهم بالأصالة وجه الله تعالى.

ومن الواضح أن مجرد وجود مذهب يتعصب له الناس ويجعلون لمقولاته الخاصة المكانة العليا الحقيقية هو –لا محالة- لون من الشرك.

*****

ومن كبائر الإثم: تفريق الدين بمعنى أن يكون المسلمون شيعًا وأحزابًا متنافية متمانعة متصارعة، وهذا الإثم هو من لوازم ومظاهر الشرك، والآيات الآتية تبين ذلك:

{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}الشورى13  * {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}آل عمران103  *  {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }آل عمران105  *  {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159  *  أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} (الروم)

*****

ومن أنواع الشرك السائد عند المحسوبين على الإسلام اتخاذ شُرَكَاء يشَرِّعُون لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الشورى 21

ومن يشرِّع أمرا ويعتبره من الدين ويفرضه على الناس فرضا من حيث ذلك فقد جعل من نفسه شريكا لله تعالى، ذلك لأن التشريع هو شأن إلهي يترتب عليه كيانات في عالم الأمر فلا سلطان لإنسانٍ عليه، أما من ارتضى لإنسان أن يشرِّع في الدين من دون الله فقد اتخذه شريكا مع الله، فلا تشريع في الدين إلا لله تعالى، ولا حكم في الدين إلا لله تعالى، والرسل والأنبياء أنفسهم مأمورون باتباع ما شرعه الله تعالى من الدين وببيان ذلك للناس بعملهم وسلوكهم.

فمن أبشع صور الشرك إعطاء حق التشريع في الدين لأحد غير الله تعالى، وللرسل وحدهم حق التشريع بإذن الله تعالى في بعض الأمور الثانوية والتي تستلزم ذوقا بشريا، وقد خُتِم ذلك بختم النبوة، ومن ذلك ما قام به الرسول من جعل الحج مرة واحدة في العمر!

ولكشف المشركين أمام أنفسهم يمكن اتخاذ الإجراء المذكور في قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد} [الرعد:33]

فالتسمية هي ذكر السمات الأساسية للمسمى، ولذلك فعندما يشرع المشركون في تسمية شركائهم سيقيمون الحجة على أنفسهم بمجرد ذكر هذه التسمية.

*******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 الاسم الشهيد             *الاسم الشهيد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَج...