الخميس، 1 يناير 2026

 
                الحب 

 

 

 

 

 

 

الحـب

الحب هو الصفة اللازمة التي لابد للإنسان أن يتحلى بها طواعية في علاقته بربه أو أن يهيئ نفسه للتحلي بها، ومن ذلك أن يطلب منه أن يهبها له وأن يملأ كيانه بها، ذلك لأن صدق طلبها هو علامة الاستعداد لقبولها وقبول آثارها، فالحب الإلهي يكسب الإنسان سموًّا لا حد له، وهو الشرط اللازم لمعرفة الإله الأعظم، ومعرفته سبحانه هي الفرح الدائم المتجدد والسعادة التي لا حد لها والأمن التام، والحب هو شعور متاح لكل إنسان، وهو من أسرار الإنسان ومقدساته وأخص خصائصه، لذلك ينبغي أن يختص به الإله الأعظم، فعليه أن يعلن له بقلبه وبكل ما في وسعه حبه وأنه يتوق إلى القرب منه وإلى العلم به.

إن الله سبحانه هو الجدير بكل حب لأنه لديه ومنه كل ما يمكن أن يتعلق به أي حب، فالإنسان يحب من لديه صفات كمالٍ ما وهو سبحانه الذي لديه كل سمات الحسن والكمال، وهو إذا أحب صفة كمال فإنه يحب بقاءها وهو سبحانه الذي لسمات كماله البقاء المطلق، وهو يحب ألا يتغير من أحب عما هو له من الصفات المحبوبة وهو سبحانه كذلك.

والإنسان يحب أن تتنوع مظاهر حبيبه، والله سبحانه الذي له من التجليات ما لا يتناهى، والإنسان يحب البديع الجديد وسرعان ما يمل القديم، وهو سبحانه الذي له في كل تجلٍّ أمر جديد لا عهد للناس به، وهو يحب من أحسن إليه وكل إحسان إنما هو بالأصالة منه، وهو يحب من ينعم عليه والله سبحانه لا تعدّ نعمه ولا تحصى.

والإنسان يحب من يعطيه ولو قدرا محدودا من السعادة والله تعالى هو الذي يعطيه ما لا يتناهى من ألوان السعادة، والإنسان يحب الأمن والله سبحانه هو مصدر كل أمن وهو نعم الملاذ لمن فرّ إليه واعتصم به، وهو يحب من لديه صفات متسقة متوافقة، والله سبحانه هو أصل كل اتساق وتوافق لأحديته وصمديته ووحدته المطلقة، والإنسان يحب النظام والقوانين وهو سبحانه الذي اقتضى كل قانون ونظام.

*******

 






















 الاسم  الرب

{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }التوبة129  *  {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }الأنبياء22  *  {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }المؤمنون86{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}المؤمنون116  *  {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} النمل26

{سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }الزخرف82  *  {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورا }الإسراء102  *  {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَها لَقَدْ قُلْنَا إِذا شَطَطا }الكهف14  *  {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا }مريم65  *  {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ }الأنبياء56  *  {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ }الصافات5  *  {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ }ص66  *  {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}الزخرف82  *  {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الجاثية36  *  {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابا}النبأ37

{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا} المزمل9  *  {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ }الصافات5  *  {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ }المعارج40  *  {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ }الرحمن17

*******

الاسم "الربّ" يشير إلى سمةٍ واحدة إليها مرجع أمر كل الكائنات، وهي تتضمن معاني السيِّد والقيِّم والخالق والمالك والمنعم والمربي، فبتلك السمة يربُّ كل كائن؛ فهو يملكه ويمدُّه بما يحفظ عليه أسباب وجوده ويرعاه ويربيه ويزكيه وينميه ويحميه ويعطيه ما يوافق استعداده، ويأخذ بناصيته ليحقق به ما خُلق له وليصل به إلى كماله المنشود، فهو الاسم الأقرب إلى الإنسان من نفسه وذاته، لذلك كانت إليه أكثر أدعية الصالحين ومن اتبعوهم بإحسان، وبذلك أيضًا يثبت كونه من الأسماء الحسنى رغم أنف قائمة الترمذي ذائعة الصيت التي أغفلته.

والربّ هو الذي يعطي كل شيءٍ خلقه ثم يهديه إلى ما فيه صلاح أمره.

فالربية (الربوبية) سمة مرتبطة بكل ما في هذا العالم، والعالم هو جماع كل ما سوى الله تعالى من أشياء، لذلك فكل مخلوق مهما علا مربوب لله تعالى، وهو شاء أم أبى عبد له، تلك هي حقيقة كل كائن التي لا يمكن له أن يخرج عنها، وكون الربوبية للعالمين سمة له سبحانه يعني أن عبودية كل ما هو سواه له أمر من لوازم ماهيته التي لا تتغير، وبذلك تتحدد تماما العلاقة بينه وبين كل من هم سواه فكلهم عبيده شاءوا أم أبوا.

وأبرز مظاهر تلك الربوبية السنن الكونية التي يخضع لها كل كائن، فلا يستطيع أي كائن إلا أن يخضع لهذه السنن، وهو لا يملك لها تبديلا ولا تحويلا، وما يسمي بخوارق العادات ليس خرقا إلا لما ألفه الناس فقط، ولكنهم استخدموا من السنن ما لا علم للناس بها ولم يصلوا بعد إليها، بل ربما كان من استخدمها لا علم له بها وإن أُذن له باستخدامها، كما تقول لأحد الناس لو ضغطت على زرّ هذا الجهاز لحدث كذا وكذا، فأنت أرشدته إلى الفعل وسمحت له به، وهو لم يوجد الجهاز ولا دراية له بما يحدث فيه، بل ربما فوجئ بما يراه، وهكذا تعجَّب موسى عليه السلام لمَّا أُمِر بإلقاء عصاه فإذا بها حية تسعى، ولكنه لم يستغرب الأمر لما تكرر منه ثانية ولمّا ضرب بعصاه الحجر فانبثقت منه اثنتا عشرة عينا، ولمَّا ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فلقد علَّمه ربه أنه بطاعة أمره وباستخدام عصاه سيستدعي نسقا آخر من القوانين والسنن ليعمل، وهكذا أيضًا كان عيسى عليه السلام يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى.

ومن المعلوم أنه بالتقدم وبالتطوُّر تدخل أنساق جديدة من القوانين في علم الإنسان، ويصبح من الممكن التعبير عنها بالطرق الملائمة والتي أصبحت مألوفة، كما يمكن تداولها ونقلها إلى كل بني الإنسان وهذا هو الإنزال، وهو من عطاء الربوبية الدائم المتجدد، ولو بعث أحدٌ من السلف حيًّا الآن لاعتبر كل ما يراه من الأشياء المألوفة للإنسان المعاصر من المعجزات الباهرات.

فالاسم "الربّ" يعني أن لله الربوبية العامة المطلقة والمفصَّلة بآلاف المظاهر، ولذلك كان من أكثر الأسماء ورودًا في القرءان مضافا إلى شتى المظاهر والظواهر، فهو ربُّ العالمين وربُّ السماوات والأرض وربُّ السماوات السبع وربُّ العرش العظيم وربُّ العرش الكريم وربُّ الأرض وربُّ المشرق والمغرب وربُّ المشرقين وربُّ المغربين وربُّ المشارق والمغارب وربُّ المشارق وربُّ الناس ورب الفلق، كما أنه ورد مضافا إلى ضمائر كثيرة.

فتلك السمة تقتضي بذاتها وجود من تربُّه، فما من حقيقة تعيَّنت إلا واستلزمت من حيث ذلك الاسم اسما تفصيليا يربُّها ويأخذ بناصيتها ويتخذها أداة له ومظهرا للسمة التي يعبِّر عنها ويشير إليها، أو قل إن ذلك الاسم هو الذي اقتضى تعين تلك الحقيقة وظهورها، إذ هي حلقة واحدة، ولا يوجد بالضرورة لفظ يعبِّر عن ذلك الاسم التفصيلي، ولا ينبغي أن يعتقد أحد أن ذلك قول بتعدد الأرباب، إذ الربُّ الحقيقي واحد والذي يربُّ كائنا ما هو اسم إلهي متميز كسائر الأسماء، وإن كان هذا الاسم هو في كل الأحيان من الأسماء التفصيلية شديدة الفرعية وليس من الأسماء التي تنتمي إلى الأنساق العليا، ولا توجد إلا استثناءات قليلة تشمل الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وخواص عباد الله الصالحين، فالذي يربُّ الإنسان هو اسم إلهي.

فحقيقة الأمر هو أسماء لا تتناهى عددا لذات لها الكمال الواجب والحسن المطلق المفصَّل بتلك الأسماء التي هي من لوازمها، وتعدد الأسماء والسمات لا يؤدي إلى تعدد الذات حتى في المخلوقات، بل إن كمال الذات يستلزم أن يكون لها ما لا يتناهى من الأسماء والسمات.

ومجرد وجود كائن ما هو تسبيح بحمد الاسم الذي يربه، لذلك وجب على هذا الكائن أن يشفع لسان الحال بلسان المقال وأن يسبح بحمد ربه، ولما كان أكثر الناس لا يعرفون الاسم الذي يربهم فإن كلا منهم أُمِر بتسبيح اسم ربه الأعلى.

*****

عطاء الربِّ ليس محظورًا؛ قال تعالى: {كُلا نّمِدّ هَـَؤُلاءِ وَهَـَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبّكَ مَحْظُورا}(الإسراء: 20)، ولكن العبد لا يأخذ من العطاء إلا ما يوافق استعداده أي بقدر وسعه وطاقته، فالإناء الصغير أو الوادي الضيق لا يستوعب مياه البحار التي لا تتناهى، ولذا فإن هذا الاسم هو أعمّ الأسماء التي تتعامل مع الكائنات وأوسعها إحاطة، فهو أعمُّ من الاسم الملك، فالاسم "رب العالمين" يحيط بالكائنات من حيث الأسماء التي تربهم، أما الاسم الملك فيحيط بهم من حيث هم كائنات متميزة موجودة في مملكته فهو يملكهم ويحفظهم ويحكم عليهم وبينهم ويصرِّف أمورهم وفق ما لديه من قوانين وسنن.

والاسم رب العالمين هو أيضا أعم من الاسم الإله؛ بمعنى أن مجاله أكثر اتساعا، ولذا قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ * مَلِكِ النّاسِ * إِلَـَهِ النّاسِ} فالآيات تنتقل من الأعمِّ إلى الأخصِّ، فالاسم الرب من أعظم الأسماء إحاطة، وهو مفصل بأكثر الأسماء الحسنى وما ترتب عليها من أنساق الأسماء.

والله سبحانه يدبر أمور كل إنسان ويربّ كل إنسان من حيث سمة من سماته التي لا تتناهى، وتلك السمة قد تكون من السمات المحكمة العظمى أو من السمات الحسنى أو من سمات الأنساق التالية والتي لا تتناهى عددا، فالحق من حيث تلك السمة التي يرب بها إنسانا ما هو الرب الخاص بهذا الإنسان، وهو الوجه الذي يقصده هذا الإنسان وهو قبلته الباطنية وهو الذي يتطلع إليه في كل أحواله وينظر إليه ما لم يحجب عنه، والإنسان لا يحجب عن ربه إلا بسبب طول إعراضه عنه وبسده منافذ النور منه، ولا يكون ذلك إلا لتدهور أحوال كيانه الجوهري  بسبب تراكم آثار سوء أعمال هذا الإنسان عليه.

أما السمات المحكمة العظمى فالسمة منها هي التي يمكن أن تفصل إلى اسمين أو أكثر من الأسماء الحسنى، أما سمات الأنساق التالية فقد تكون من التفاصيل الجزئية لتلك الأسماء وقد لا يوجد من الألفاظ ما يمكن به التعبير عنها.

ولقد نهى الله تعالى الناسَ عن اتخاذ أرباب من دونه، ذلك لأن الناس قد يرون البعض منهم يُعطي ويَمنع ويَضر ويَنفع ويُخشى ويُرتجى ويُشرِّع، وكل ذلك من مظاهر الربوبية ومظاهرها والتي لا يمكن نفيها عمَّن صدرت عنه في حق من صدرت إليه، ولكن النهي هو عن اعتقاد أن تلك المظاهر هي أمور ذاتية أصيلة فيمن صدرت عنه، أي عن اعتقاد أن تلك المظاهر صدرت من هذا الإنسان من تلقاء ذاته لا من حيث أن ما لديه من قدرة وتأثير إنما هو من ربه لا من نفسه، فإن من يعتقد في إنسان ما قدرة ذاتية على شيء مما ذكر فإنه يكون بالضرورة قد أشرك واتخذه ربا من دون الله أو مع الله سبحانه، وإن كذَّب أو أنكر ذلك، إذ سيجد نفسه يحاول أن يتملقه وأن يتقرب إليه بكل ما لديه فيكيل له المدح والثناء، فتلك الأفعال هي الشرك المنهي عنه إذ هي ممارسة فجة للعبادة.

فمن الشرك أن يعتقد المرء في مخلوق ما سمات الخالق أو يظن أن له وظائفه واختصاصاته، وهذا هو الشرك الذي يقع فيه أكثر الناس الآن فمنهم من يعبد المقابر ومنهم من يعبد المشايخ والأئمة، بل إن منهم من يتوسل إلى المقابر والمشايخ برب العالمين، ومنهم من يعبد كل من له عنده مصلحة ما، ومنهم من يعبد السلف الصالح والطالح، ومنهم من يعبد نعال أهل البغي والمنقلبين على الأعقاب والمنافقين، ومنهم من يعبد أكابر المفسدين في الأرض وسفاكي الدماء والمجرمين، ومنهم من يعبد قرن الشيطان، ومنهم من يعبد الشيطان نفسه، لذلك فعلى الكل أن يعلموا أن كل سمة وجودية إيجابية مؤثرة هي لمن له الربوبية على كل العالمين وهو الله تعالى؛ فهو الفاعل الحقيقي وهو المؤثر الحقيقي، بيده الإعطاء والمنع والضر والنفع، ولذا فعلى الكل أن يتوجهوا إليه وحده دون غيره.

فإن قيل إن الإنسان مضطر إلى الاستعانة بمن هم من دون الله لقضاء حوائجه فهل يعدُّ ذلك شركا؟ فالجواب: إنه ليس ثمَّة غضاضة في أن يستعين الإنسان بإنسان مثله لقضاء حوائجه من حيث أنه ملتزم بقوانين الله وسننه وأسبابه التي رتَّبها، ومن حيث أن ذلك الإنسان هو آلة بيد الله، لا يملك من أمر نفسه فضلا عن غيره شيئا، ولكن ليس من حقه أن يتخذه ربا من دون الله يتذلل إليه ويسكب الدمع بين يديه، وعندما سأل المسلمون الرسـول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ عن ربه قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} لم يقل له فقل إني قريب، بل تولَّى بنفسه مباشرة الإجابة عن سؤالهم، قال تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ} ( البقرة : 86 )، كما أكد مرارا وتكرارا أنه القريب المجيب وأنه السميع القريب وأنه أقرب إلى الإنسان من غيره بل من نفسه، وذلك حتى يدل الإنسان على ما فيه راحته وعلى ما يحفظ عليه ماء وجهه ولا يهدر كرامته، ولكن أبي أكثر الناس إلا كفورا، فأعرضوا عمَّن هو قريب منهم وبيده أمر كل شيء، وذهبوا إلى من هم دونه وليس لهم من الأمر شيء، ولقد أخبر الله تعالى أنه ما ابتلى الناس إلا ليذكِّرهم بنفسه ولعلهم يتضرعون إليه فإذا كانوا عادة ما ينسونه في وقت الرخاء، ويعرضون عنه وهو معهم في وقت الشدة ليذهبوا إلى من هم دونه فمتى سيتذكرونه ؟!

ومن العجيب أن الاسم "ربّ العالمين" وهو يشير إلى سمة من أعظم السمات الإلهية وأكثرها ورودا في القرءان، وفي نفس الوقت هو من أكثر الأسماء ورودا على ألسنة الناس لم يرد في القائمة المشهورة التي يتغنون بها!!!! وفي حين أن المغضوب عليهم والضالين ينكرون أن يكون الاسم "الرب" أو "رب العالمين" اسمًا من الأسماء الحسنى رغم كل ما ذكر فإنهم يزعمون أن "الضار" اسم من الأسماء الحسنى ويدافعون بشراسة وعناد عن ذلك، وعلى هؤلاء أن يتدبروا قول ربهم: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ {179} وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {180}}الأعراف.

*****

إن هذا الاسم يشير إلى السمة التي تقتضي الأخذ بنواصي كل العباد إلى الغايات التي خلقوا من أجلها، وتلك السمة تفصيلها هو كل الأسماء التي اقتضت تألف حقائق أو تعين ماهيات الأشياء، فبعض تلك الأسماء معلومة كالأسماء الحسنى وتفاصيلها الواردة في القرءان وبعضها الآخر هو تفاصيل شديدة الفرعية لتلك الأسماء وبعضها قد لا يمكن التعبير الدقيق عن السمة التي يشير إليها أو قد لا يتوفر من الألفاظ ما يسمح بذلك، فهذا الاسم من أعظم الأسماء إحاطة.

*****

إنّ اللّه هو (ربّ العالمين)، والربّ هو الذي يربي ويطوّر الشيء حالا بعد حال حتى يصل به إلى مرتبة التمام ويتحقق بما هو ممكن له من كمال، ويكرر ذلك بالنسبة لسائر الكائنات، أي أنّ اللّه تعالى قد أخذ بأيدي عباده ليطوّرهم من حال إلى حال ليصل بهم إلى مراتب كمالهم، والإيمان بأن الله هو رب العالمين يقتضي أن يلتزم الناس بالكلمة السواء وهي أن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئا وألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دونه، ومن الشرك الغليظ اتخاذ بعض الناس مشرعين في الدين.

*******

إن الله هو "رب العالمين"، ولم يكن من قبيل الصدفة أن الأسماء التي أوردها جامعو المرويات والتي يتغنى بها الناس قد خلت من هذا الاسم، ذلك لأن البعض يريده ربا خاصا بطائفته، ويريد أن يصنعه على عينه، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرا، والتحلي بمقتضيات الاسم "رب العالمين" يلزم الإنسان بالإيمان بالأخوة البشرية وبالصلات القائمة بين الناس وبأن يتحلوا بالرحمة تجاه البشرية جمعاء وبحب الخير لهم، ولكن الذي حدث هو أن تسرَّب الطابع التلمودي إلى الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام، فأصبحوا يتصورون أن الله تعالى خاصٌّ بهم، وموظف لديهم، لا هم له إلا السهر على راحتهم ونصرهم على أعدائهم، واستعباد هؤلاء الأعداء لهم.

والإيمان بالأسماء الحسنى يقتضي أن يعلم المرء أن وجود كل إنسان مهما ساء خلقه وعمله هو من لوازم تحقيق مقاصد الوجود وأنه مخلوق من مخلوقات الله؛ فهو لم يوجد رغما عن الله ولا اضطرارا منه، وهو الذي أعطاه الحرية ليختار لنفسه ما يشاء من الصفات والأفعال، إنه يجب أن يعلم الجميع أن الله تعالى هو رب الناس أجمعين في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر؛ لم يخلقهم عبثا، ولن يتركهم سدى.

*******

إن الله كما هو رب العالمين هو رب كل إنسانٍ على حدة، فله تجلياته الخاصة بكل إنسان، ولهذا الإنسان صراطه المستقيم، وربه عليه من حيث أنه هو الذي اقتضاه وقدره له، فمن سعى على صراطٍ مستقيم سيجد ربه.

*******

يظنُّ الناس أن الاسم الرب لم يرد في القرءان إلا مضافا، هذا ظنٌّ باطل!

ورد الاسم "الربّ" غير مضاف في قوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيم} [يس:58]، {.... كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور} [سبأ:15]

ومن أساليب القرءان أن يستعمل التنكير للتبجيل والتعظيم، والأمثلة عديدة.

وفي الحالة المذكورة لا يجوز أن نقول إن من أسماء الله "ربّ" منكرة بمثل ما إنه لا يجوز أن نقول إن من أسمائه "غفور" منكرة، يجب أن يُقال إن من أسمائه: "الربّ"، "الغفور"، "الرحيم"، فالرب المطلق هو الله، بمثل ما أنه هو الرحيم المطلق.

إنه يجب على الإنسان الإيمان بأن له ربًّا يتولى أموره ويرعى شؤونه يمكنه أن يثق به وأن يتوكل عليه وأن يلوذ به وأن يفوِّض أمره إليه، وكذلك يقتضي منه الإيمان بخضوع كل شيء لقوانين الله وسننه، كما يقتضي منه القيام  بحقوق من يعول وأن يسعى في مصالحهم وأن يعمل على توفير احتياجاتهم المادية والمعنوية، كما يقتضي منه الإيمان بأنه سبحانه رب العالمين ورب كل شيء فيحترم كل كائن احترامًا لربه الذي خلقه وقدره، ولكن ذلك لا يعفيه من وجوب العمل بأوامر الدين فيهم، وكذلك يقتضي منه أن يعرف نفسه بمعنى أن يعرف خصائصها وإمكاناتها والأمور الغالبة عليها، وبالتالي يعرف الصفات التي هي تفصيل ماهيته الأولية، وذلك هو الشرط اللازم ليتحقق بكماله المنشود وليمارس العمل الملائم لطبيعته فيكون نافعا لنفسه ولغيره، وهو بذلك يحقق ما يلزم للحفاظ على عزته وكرامته وحريته ولصلاح أمره في الدنيا والآخرة.

ويقتضى الاسم "الربّ" أيضا من كل إنسان أن يعبد ربه الذي يحفظه ويرعاه ويربيه ويقوم بأمره، وتلك العبادة تتضمن طاعة أوامره والتوافق مع قوانينه وسننه، والعبادة هي حقه على عباده رغم أنه لن ينتفع بها وإنما هم الذين سينتفعون بها وسيحقق بها كل منهم كماله المنشود، فالعبادة لازمة لحفظ وتزكية كيانه الجوهري كما يلزم تناول الغذاء واستنشاق الأكسجين لحفظ كيانه الخارجي، وتلك السمة مفصلة بأنه سبحانه المالك والسيد والمربي والمدبر والرحيم؛ فهو القائم على أمور كل ما انطوى تحت ربوبيته، فالربوبية هي السمة العظمي التي ينتفع الكل بآثارها ويتذوقون ثمارها.

*******

إن كون الله سبحانه ربًّا للعالمين يعنى أن ربوبيته هي للناس كافة، ويمكن لهم جميعا أن يلوذوا بها وأن يعولوا عليها مهما اختلفت عقائدهم ولذلك أعلن أنه يجيب المضطرَّ إذا دعاه، وحرَّم الظلم والعدوان والإفساد في الأرض، وأمر بالبر والإقساط، وجعل على الإنسان مسؤوليات تجاه البشرية جمعاء.

*******

من الناحية اللغوية فكلمة ربّ هي اسم معنى واسم فعل، والفعل هو "رَبّ يَرُبُّ"، يقال: رَبَّ فلانٌ الولدَ أو الصبيَ أو المهرَ يَرُبُّهُ ربّا، كما يقال: رباه يربيه تربية، والتربية تبليغ الشيء إلى الكمال شيئا فشيئا.

وهي تؤدي معنى اسم الفاعل "المربي" للتأكيد، ومن معانيها: السيد والأمير، ومالك الشيء، والمنعم إلى غير ذلك من المعاني القريبة لأصل معناه.

وهو أيضًا اسم فاعل معنوي فاعلي مؤكد من الفعل "ربَّ"، وهي على وزن فعْل.

ويمكن أيضًا أن يكون أصله "رابّ "، وهو اسم فاعل من الفعل " رَبَّ": ويتضمن جماع المعاني: المالك، المربي، المزكي، المنمِّي، الحافظ، القيِّم، المتصرف فيمن يربه المدبر أمره.

فمعنى يَرُبُّ كائنا أو شيئا أن يملكه ويقوم على حفظه وتزكيته وتنميته ويصرِّف أمره

ولما كانت التربية الحقيقية لكل المخلوقات بخلقها ابتداء، وإمدادها بالبقاء ورعايتها وتنميتها، سمة من سمات الله تعالى، كان سبحانه هو رب العالمين، ورب كل شيء، فالربوبية هي السمة الجامعة والمقتضية لكل ما يلزم المخلوقات من صفات وأفعال وسنن، والاسم "الربّ" هو الذي يشير إليها ويتضمنها.

ومن حيث إنه رمز فإن الراء إشارة إلى من له جميع الكمالات التي تقتضى مجالات وكائنات وكيانات، أي إلى مصدر كل الخيرات، والتصاقها بالباء التي جاءت في آخر الكلمة مع دلالتها في ذاتها على البدء يشير إلى حلقة إلهية لا تتناهى تجود بالخيرات على كل الكائنات، لذلك لا تتناهى الكلمات الإلهية، ولو كان البحر مدادا لها لنفد هو قبل أن تنفد هي، أما الحلقات الكونية التي اقتضتها تلك الحلقة الإلهية فمن خواصها الصعود والرقى والنماء، فهذا الاسم هو المهيمن على كل ذلك يمد كل كيان بما  يلائم طبيعته الذاتية حتى يحقق المقصد من وجوده.

والراء تشير أيضًا إلى فعله المستمر في مجالاته وخاصة المخيرة منها والمشار إليها بالباء، فهو يربيهم ويقودهم شيئا فشيئا نحو تحقيق مقاصده الوجودية، وهذا الرمز يشير أيضا إلى الاسم الإلهي الذي اقتضى الإنية الإنسانية أو الاسم الإنساني الحقيقي غير المتغير والذي يبين ويتضمن المقصد الوجودي من خلق الإنسان والذي يمكن لمن يعرفه أن يتحكم في هذا الإنسان.

وورود الراء في أول الاسم يشير أيضًا إلى عملية تقدير (تصميم To design) المخلوقات، والتي تتضمن عمليات ترتيب وتنظيم وتكرار، وكل ذلك يؤدي إلى ظهور لعناصر جديدة وانبثاقات وبدايات، وهذا يؤدي بدوره إلى عمليات تقدير على مستوى آخر، بمعنى أن الاسم هو حلقة إلهية تقتضب حلقات كونية لا نهاية لها.

ويلاحظ أن انبثاق الحياة المخلوقة هو مترتب بالفعل على ترتيب وتنظيم وتكرير جزيئات كيميائية ثم خلايا.

كما أن من أسس عملية التربية ذاتها ترتيب وتنظيم المجهودات وتكرارها حتى يتم برمجة القلب الإنساني عليها، واتباع أي دين أو مذهب هو أمرٌ لازم لذلك.

ويجب العلم بأن معاني الأسماء الإلهية هي أصل الألسنة البشرية، وأنه من حيث الحقيقة فإن نسبة سمة من سمات الكمال إلى كائنٍ ما ه أمرٌ حقيقي بالنسبة إلى الإله مجازي بالنسبة إلى غيره، ذلك لأن له سبحانه الكمال الذاتي المطلق، أما ما لدي مخلوقاته فما هو إلا آثار تشير إلى سمات الكمال الإلهي.

*****

إن نصّ القرءان، وهو الكتاب الإلهي المقدس في الإسلام، على الاسم الجليل "رب العالمين" هو أبلغ دليل على عالمية وخاتمية هذا الدين، ولذلك فمن ابتغى غيره دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

أما المغضوب عليهم فهم من يحاولون إنزال الإسلام إلى مستوى البدو والأعراب وجعْله دينا محليا فلكلوريا يقدس تقاليد وهمجية الأعراب، أما شياطين الإنس فهم من صنعوا مذاهب دموية إجرامية وقدموها للناس على أنها الإسلام.

*****

إن عبودية الناس لربهم تتمثل في خضوعهم المطلق لقوانينه وسننه الكونية، وكذلك تتمثل في خضوعهم الاختياري لأوامره الشرعية الدينية، وما لدي الإنسان من اختيار هو أيضًا من مقتضيات السنن الكونية، فالإنسان لا يملك إلا أن يختار، حتى إن اختار أن يقوده غيره، فلا مهرب لإنسان من قوانين الله وسننه.

*****

إنه من الشائع أن بعض الناس من ذوي العقائد المختلفة تظهر منهم أحيانا أمور خارقة للمألوف من القوانين والسنن، ولبيان سبب ذلك يجب العلم بأنه ثمة عالم لطيف هو أدنى العوالم اللطيفة إلى الإنسان وهو أشبه بشبكة الإنترنت الحديثة، وكل إنسان وإن لم يعلم يعمل كمرسل وكمستقبل بالنسبة لهذا العالم فهو يبث فيه ويستقبل منه، فما من عمل عمله إنسان أو قول قاله أو عقيدة اعتقدها أو إحساس انتابه أو حب نبض به قلبه أو علم علمه أو نية نواها أو أمر ألمَّ به إلا وهو مسجل في هذا العالم، كما أن ثمة كائنات لا حصر لها تحيا في هذا العالم فهو بالنسبة لها عالم حقيقي متماسك كالعالم المادي الكثيف بالنسبة للإنسان، وللطائف الإنسان الباطنة إدراك وتعلق بهذا العالم على تفاوت في القوة واليقظة من إنسان لآخر، فمنه تستمد وفيه ترسل، وكما لا يرسل الإنسان إلا ما يوافق طبيعته الذاتية (أو استعداده) فكذلك لا يستقبل إلا ما يوائم ذلك الاستعداد، فالاستعداد الإنساني بمثابة ضبط المؤشر على قناة معينة فلا يتلقى إلا منها ولا تصله معلومات أو مشاهدات إلا من خلالها، كذلك لا يرسل إلا ما يؤيده.

 وثمَّة أعمال ورياضات نفسية تؤدي إلى تيقظ حواس الإنسان الباطنة فيصبح أكثر إدراكًا ورؤية لما في هذا العالم، وهذا العالم فيه حق وفيه باطل، وكما أن فيه كائنات خيرة كالملائكة الأرضيين والجنود والروحانيين فإنه يعج كذلك بالجن والشياطين الذين يتربَّصون بالإنسان ويودُّون له الضلال المبين، فالشياطين هم الكائنات المخربة التي تبث كل شر ونقص وضلال ليتلقاه من هو مستعد له، فمن هذا العالم يستمد أصحاب العقائد الضالة والمذاهب المنسوخة ما يزيدهم ضلالا وتمسكًّا بما هم عليه، ولذلك ربما صدرت عنهم أعمال تعد خرقًا للسنن المألوفة فيكونون بذلك فتنة للناس ولأنفسهم، ويُستدرجون بذلك إلى ما فيه هلاكهم، ولا يوجد فيما يأتونه خرق لأي سنن وإنما هو استخدام لقوانين ذلك العالم اللطيف لشدة تعلق لطائفهم به.

ولقد أقام الشيطان؛ وهو عدو محض للإنسان؛ نظام محاكاة تام لكل ما يصل إليه علمه من أحوال ومقامات عباد الرحمن، فهو يمثل للضالين أحوالا كأحوالهم ومقامات كمقاماتهم، ويوحي إليهم بمعارف كمعارفهم، ولكنه يبث فيها من السم والألغام ما يشاء، فإن قيل فلم لا يعمل جنود ٱلرَّحۡمَٰن لإبطال كيد الشيطان ، فالجواب أنهم يعملون ما تقتضيه القوانين والسنن، وهي تقتضي ألاَّ يعامل أي إنسان إلاَّ وفق استعداده وألا يُكره على كفر أو إيمان، أما ٱلرَّحۡمَٰن فهو لم يطالب خلقه بولوج هذا العالم وإنما طالبهم بما في القرءان، وضمن لمن تمسَّك به السعادة والهداية والأمان.

إن الاطلاع على العالم الغيبي البرزخي اللطيف عن طريق قمع الحواس الظاهرة وإيقاظ الباطنة هو أمر متاح لكل البشر مهما كانت عقائدهم، بل إن كثيرا من النساء والأطفال يكون لديهم نوع من تيقظ الحاسة الخيالية يسمح لهم بالاطلاع على شيءٍ من هذا العالم، وتيقظ بعض تلك الحواس عند بعض الناس وتفاوتهم في ذلك هو من الأمور العادية كما يتفاوتون في قوة أبدانهم وفيما ما لديهم من حواس ظاهرة، فهي مزيَّة لا تقتضي الأفضلية، فالاطِّلاع على هذا العالم لا يصحح عقيدة باطلة لدى إنسان عقد العزم على صحتها، لذلك فإن من ينكر شيئا من أمور الغيب لن يراه أبدا، ولما كان الأمر كذلك فإنه لا يمكن التعويل على المعلومات التي تأتي عن هذا الطريق، وكم من رجل لهج الناس بذكره، بل وكادوا يسبحون بحمده قد أضل الناس وشككهم في عقائدهم وفتنهم في دينهم.

ويجب العلم أن التقدم إنما يقاس بالعلوم التي تم إنزالها، بمعنى أنها أصبحت متاحة للجميع قابلة للنقل وإعادة الاختبار والتقويم، ولذا فلا يمكن التعويل على علوم تأتي عن طريق خرق القوانين المألوفة.

أما عباد الله الصالحون المخلصون فإنهم كلما استعدوا لتلقي إمكانات وقوى روحية جديدة بالسلوك الحميد فإنها تُفاض عليهم، وأعلاهم المؤيدون بروح القدس، فبتلك الإمكانات وبذلك التأييد الروحاني الآتي من عالم علوي قدسي لا يمكن أن يلجه شيطان أو جان، فإنهم يستطيعون الإتيان بما لم يألفه الناس، ولكن أولئك العباد لتجردهم التام عن الهوى لا يأتون بتلك الأعمال إلا عن إذن إلهي صريح وذلك كبرهان على صدق نبوة مثلا أو لتثبيت المؤمنين.

ويجب العلم بأن استخدام المعجزات (الآيات) أي خرق القوانين والسنن المألوفة لإثبات صدق النبوة قد نُسخ بظهور الإسلام الكامل الخاتم، ولذا كان الردّ القرءاني على من يريدون رؤية معجزات حسية هو إحالتهم إلى الآيات القرءانية والآيات الكونية، وهي أعظم وأجدى نفعا وأعظم أثرًا وأبقى مما اقترحوه من معجزات حسية.

إن سنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تقتضي اتِّباع القوانين والسنن المألوفة واكتشافها والتعرف عليها والاستفادة منها، وسيرته العطرة خير شاهد على ذلك.

ولقد كان القرءان حاسمًا تمامًا في هذا الموضوع فأحال كل من طلب آية إلى آيات الكتاب المقروء وهو القرءان الكريم وإلى آيات الكتاب المشهود وهو الكون، ورفض أن ينزل عليهم من السماء آية تظل أعناقهم لها خاضعين، كما رفض إنزال أي آية اقترحوها، بل قال تعالى:

{وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللّهِ وَإِنّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (العنكبوت: 50 – 51) ، وقال: { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَـوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الاَيَاتُ وَالنّذُرُ عَن قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ }  (يونس: 101).

كما أحالهم إلى تدبُّر عاقبة من كان قبلهم من أمم وكيف هلك من كفر ونجا من آمن كما جاء في القرءان، أي أحالهم إلى دراسة ما يُسمَّى الآن بالتاريخ، ولم يأمرهم بألا يدرسوه، ولكنهم هم الذين فرضوا ذلك على الناس لتكريس شركهم وجهلهم وتخلفهم.

وسنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ هي نهجه من حيث التزامه بالقرءان، وسيرته هي التطبيق العملي له بالنظر إلى الوقائع والأحوال التي واجهته، لذلك فإن الصالحين من أمته متَّبِعون لسنته التي هي بالأصالة سنة ربه، فلو افترض أن أحدهم قد اكتسب  شيئا من الإمكانات غير المألوفة كالتي لدى الملائكة مثلا؛ والتي يستطيع بها أن يقهر أعداءه؛ فلا يحق له استخدام تلك الإمكانات بل عليه أن يستخدم ما هو مألوف من المعدات والآلات، ذلك لأن الله تعالى إنما يدفع الناس بعضهم ببعض ليبتلي بعضهم ببعض ولو أراد إهلاك الكفار والمشركين في لحظة لفعل، ولذا فهو ليس بحاجة إلى اقتراحات من أحد بهذا الخصوص .

وثمَّة أمر آخر هو أن من عبد الله تعالى بهدف الحصول على قدرات تمكنه من خرق القوانين والسنن المألوفة فإن عبادته تكون معلولة، وربما استدرج إلى ما أراد إبعادا له عن طريق الحق الذي لم يرده لذاته وليكون بذلك فتنة لنفسه ولغيره، ذلك لأن الله تعالى إنما يفتن الناس بالناس.

ويجب العلم بأنه بتنزيل القرءان تمت كلمات الله صدقًا وعدلا واكتمل الدين، وتم استخلاف الإنسان في الأرض، وبلغت الإنسانية رشدها، وأصبح لها أن تواصل سعيها نحو الكمال بنفسها، وأن تكتشف قوانين الوجود باتباع السبل الواردة في رسالة ربها، وأصبحت الطاعة حقا لأولي الأمر (الحقيقيين) منها، وليس للمتسلطين بالباطل عليها، وفي ذلك إشارة إلى أنه أصبح من حق الإنسان أن يشرع وأن يسنَّ ما يلزم من القوانين لنفسه على ألَّا يعتبرها هو أو غيره شرائع دينية.

*******

*******

 الاسم الشهيد             *الاسم الشهيد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَج...