الرسالة الخاصة
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}[سبأ:28]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون}[الأعراف:158]، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}[الفرقان:1]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}[الأنبياء:107]، {... قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِين}[الأنعام:90]، {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين}[يوسف:104]، {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين}[ص:87]، {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين}[القلم:52]، {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين}[التكوير:27]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} [النساء:174]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين} [يونس:57].
فالرسالة العالمية العامية هي الدين كله بعد تمامه واكتماله بنزول الآية:
{.... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا .....} [المائدة:3]
هذا هو الإسلام، دين الحق، بكافة منظوماته وأركانه ومقاصده، وهو الدين الواحد عند الله، والذي بدأ بأول الأنبياء، واكتمل بخاتم النبيين ورسالته التي هي القرءان الكريم، وهو الدين الملزم للناس كافة، مع وجوب تحقق شرط البلاغ المبين، وهذا البلاغ منوط بكل كيان محسوب على الإسلام.
ورسالة النبي الخاصة بقومه ثابتة بالقرءان الكريم، قال تعالى:
{وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون} [الأنعام:92]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرءانا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير} [الشورى:7]، {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)} يس، {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون} [الزخرف:44].
وقد كان لازمًا بلسان قوم الرسول؛ أي بلسانٍ عربي مبين، وقد ذكر ذلك في كتابه، قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [إبراهيم:4]، {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} الشعراء، {الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قرءانا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)} يوسف، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل، {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قرءانا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)} فُصِّلَتْ
وهذا لا يتنافى مع عالمية الإسلام، ولكنه يلقي بعبءٍ ثقيل على من يفقهون اللسان العربي، فعليهم مسؤوليات مضاعفة تجاه المسلمين وغيرهم من غير العرب، وفي كل الأحوال فالأكرمية عند الله تعالى هي بالإيمان والعمل الصالح والتقوى والقلب السليم.
ولعالمية الإسلام لا يجوز لأحد أن يلزم الإسلام والمسلمين بعادات وتقاليد وتاريخ قوم معينين أو عصر معين، ولذلك كانت السلفية هي من كبائر الإثم المضادة لعالمية الإسلام، فضلا عن أنها من تجليات الشرك وأركانه.
*******
إنه عندما تقتضي السنن الإلهية أن يرسل إلى قوم من الأقوام رسول منهم فإن ربه يزوده بكل ما يلزم من الآيات والبيِّنات ليقيم عليهم الحجج وليتحقق البلاغ المبين، وبالنظر إلى الطبيعة الإنسانية -والتي من لوازمها أن للإنسان إرادة حرة واختيارا- فإن المؤمنين يكونون دائما أقلية ويتعرضون لشتى ضروب الاضطهاد والعدوان والسخرية والازدراء، ولكن السنن كانت تحتم دائما أن ينتصر الرسول ومن آمن معه وأن يهلك الكفار المعاندون، وجزء كبير من القرءان مخصص لبيان ذلك، قال تعالى:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون} [يونس:47]، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}يوسف110، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ{171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ{172} وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{173}الصافات، {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ{102} ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ{103} {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ{93} وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ{94} كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ{95}هود، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} الصافات، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}الروم47، {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ }يونس13.
ولقد كان إهلاك أقوام الرسل الذين كفروا بهم يتم عادة بآية كونية، قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ{4} فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ{5} وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ{6} سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوما فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ{7} الحاقة
ويمكن اعتبار إهلاك الكافرين المتمردين المعاندين العاملين على إحباط دعوة الرسل بمثابة إهلاك الديناصورات لإفساح المجال لكائنات أرقى لتظهر وتسود الأرض وليستمر التطور والرقي العام.
ولا يجوز لأحد هاهنا أن يقول لله تعالى: "لماذا لم تترك لهم حرية العقيدة؟ ولماذا تعذبهم وتقضي عليهم؟" لقد أعطاهم هذه الحرية فاختاروا الكفر، والكفر مهلك، وقد زود كل رسول بما يكفي قومه من الحجج والبراهين، فيجب أن يتحمل كل إنسان المسئولية عن اختياره، فمن اختار أن يتجرع السم رغم إعلامه بأنه سيؤدي إلى هلاكه وإثبات ذلك له هو وحده المسئول عما سيحدث له، وليس لأحد أن يقول لله تعالى: لماذا خلقت السم؟ أو لماذا لم تنزع من السم خواصه حتى لا يهلك هذا المسكين؟ أو لماذا تركته يتعاطى السم وقد كان في قدرتك منعه؟ أو لماذا أعطيته الحرية ليختار ما قد يضره؟
إن أقوام الرسل قد اختاروا الكفر والجحود واضطهاد المؤمنين والتطاول على النبيين والعمل على إبطال رسالتهم ومساعيهم، ولكل ذلك لم يكن مسموحا لهم بالبقاء على شركهم وكفرهم فضلا عن المجاهرة به وممارسة طقوسه، وكان لابد من الفصل في أمرهم وتحقيق ما اختاروه من الهلاك لأنفسهم حماية للقلة المؤمنة وللأجيال القادمة من شرهم.
فلما جاءت الرسالة الخاتمة كان استعمال الآيات الكونية لإهلاك الضالين المجرمين من أقوام الرسل قد نُسخ، وذلك أمر طبيعي لرسالة هي رحمة للعالمين، وقد قُـدِّر لها أن تكون ملزمة للبشر إلى قيام الساعة وتمَّ بها استخلاف الإنسان في الأرض وتحقيق المقاصد من وجوده، فلم يكن من الممكن أن يستعمل الرسول الذي سيتأسَّى به كل المصلحين من بعد آيةً كونية لإنجاز رسالته، لذلك كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مكلفا أيضا بتحقيق وتفعيل الحكم الإلهي الخاص بأقوام الرسل، وهو ضرورة القضاء والفصل بين من آمن وبين من كفر من قومه في هذه الحياة الدنيا مع تجنب الاعتداء تجنبا تاما، ولكن الذي كان يحدث عادة ولا مفرّ من حدوثه أن من كفروا بالرسالة لا يمن أن يتقبلوا وجود من آمنوا بها بينهم، ومن ثمَّ فإنهم كانوا يسارعون في إنزال شتى ضروب العدوان عليهم من سخرية واستهزاء وإيذاء واضطهاد واستباحة حقوقهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم.
ولما كان استعمال الآيات المادية قد نُسِخ كان على الرسول أن يقاتل بمن آمن من كفر في حرب مصيرية وُعِد فيها بالنصر في النهاية، فلابد دائمًا من انتصار الرسول ومن آمن معه، ولكن لابد بين يدي ذلك من تقديم كل ما يلزم من الجهاد والصبر، وهذه الحرب لم تكن بالطبع حربا عدوانية، بل الذي أشعلها هم الكافرون الذين رفضوا الرسالة ورفضوا أن يتركوا الناس ليؤمنوا بها، قال تعالى:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} يونس47، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ }غافر78، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ }المجادلة5، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابا رَّحِيما }النساء64، {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا}النساء115، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الأنفال13، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }النحل36، {وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ }النحل113، {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون44، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }القصص59، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}غافر5، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}البقرة214، {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ}الأنعام34، {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }التوبة14، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ{100} قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ{101} فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ{102} ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ{103}يونس، {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ{58} وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ{59} وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ{60}هود، {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ{66} وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ{67} كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدا لِّثَمُودَ{68}}هود، قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ{81} فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ{82} مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ{83}هود، {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ{93} وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ{94} كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ{95} هود، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}يوسف110، {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}غافر51، {وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرا عَزِيزا}الفتح3، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ{171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ{172} وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{173}الصافات، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ{20} كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ{21} الحديد.
وبالطبع لا يمكن أن يكون الرسول ومن آمن معه من المعتدين، ولكنهم كانوا هم الذين عليهم أن يواجهوا العدوان السافر عليهم بكل ما يملكون من قوة، فليس لهم أن يستسلموا للكافرين ولا أن يتركوهم ليفتنوهم في دينهم، ولم يكن هناك بد من قبول التحدي والدخول في معركة مصيرية مع الكافرين، فالذي يبادر بالعمل العدائي بحكم الطبيعة البشرية من هم متمسكون بما ألفوا عليه آباءهم، وهذا ما يلقاه وسيظل يلقاه كل مصلح أو مجدد للدين.
فلم يكن ثمة من خيار لقوم الرسول ولم يكن مسموحا لهم بالبقاء على شركهم وكفرهم فضلا عن المجاهرة به وممارسة طقوسه، قال تعالى:
{فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}التوبة5، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:28]، {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرا حَسَنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابا أَلِيما }الفتح16، فكما هو واضح إما القتال أو الإسلام، فلابد لهم من الإسلام بمعنى الإذعان والانقياد للأمة المؤمنة بانتظار أن يؤمنوا شيئا فشيئا: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الحجرات14، ولكن لابد لهم من إظهار هويتهم الإسلامية: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }التوبة11.
ولقد أعلن الله تعالى أنه لو شاء لانتصر منهم بأية وسيلة من الوسائل المعهودة، ولكنه بالنسبة للرسالة الخاتمة وقوم خاتم النبيين شاء أن تكون هذه الوسيلة هي أن يقاتل المؤمنين الكافرين، وذلك لتحقيق مقاصد عديدة، قال تعالى:
{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}محمد4، {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{139} إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ{141} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ{142}آل عمران
إن الله تعالى لا يرسل رسله برسالته ولا يزودهم بكل ما يلزم من الحجج والآيات والبينات لكي يتم عمل استفتاء بعد ذلك لمعرفة هل يقبلها الناس أم لا، فالرسالة الإلهية لابد أن تقسم الناس بالضرورة إلى قسمين؛ قسم يقبل الرسالة فينجو وينتصر، وقسم يرفضها ولا يقبل بوجود من يقبلها فيصمم على القضاء عليه فيجلب الهلاك على نفسه، ويكون الهلاك إما بآية كونية وإما بأيدي المؤمنين.
ومن باب الرحمة فقد قبل الله تعالى من الأعراب إسلامهم الشكلي الذي لا يتضمن إيمانا، وجعل إعطاء المال للمؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة الشرعية وحرَّم وجرَّم قتل من نطق بالشهادة ولو كان معلوما أنه من عتاة المنافقين.
*******
إن قوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ لم يكن لهم خيار بعد أن أقيمت عليهم الحجج وجاءهم رسول من أنفسهم بالآية الكبرى التي ظلت أعناقهم لها خاضعين وهي القرءان الكريم، فلا بد من انتصار الرسول ومن آمن معه عليهم ولابد من إهلاك من رفض الإيمان بعد أن رأي الآيات والنذر، لذلك لم تقبل الجزية من قوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مقابل بقائهم على ما هم عليه، وذلك في حين أنه يلزم قبولها من أهل الكتاب والمجوس.
والرسالة التي حملها الرسول إلي قومه لم تكن دينا آخر ولكنها اكتسبت خصوصية للأسباب الآتية:
1. لم يكن ثمة خيار لهم بسبب حتمية تورطهم في الاعتداء على المؤمنين ومحاولة استصالهم، ولقد أُمر الرسول ومن آمن معه أن يقاتلوهم حتى يسلموا أي حتى يذعنوا للأمة ويقولوا "لا إله إلا الله" دون اشتراط الإيمان، ذلك في حين أن الرسالة العامة تقر بإمكانية التعايش السلمي مع متبعي الأديان الأخرى بل وتأمر ببرهم والإقساط إليهم وتحرم العدوان أو الفتنة في الدين.
2. كان الدين ينمو ويكتمل طوال العصر النبوي وكان التشريع يتدرج بالناس كذلك، ولم يتمّ الأمر إلا قبيل انتقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بزمن يسير، لذلك ظل الناس يقترفون بعض كبائر الإثم كالزنا وتعاطي الخمر ولعب الميسر زمنا طويلا، ولقد قالت السيدة عائشة: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا. ولو نزل: لا تزنوا. لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا. "، وهذا يعني بالضرورة أنهم ظلوا يقترفون هذه الكبائر شطرا كبيرا من العصر النبوي!!! أما الإسلام العالمي المكتمل فإن من أركانه الركينة اجتناب كبائر الإثم والفواحش والانتهاء عن المنكر والنهي عنه.
3. كان التركيز علي أركان الدين العلنية المضبوطة الظاهرة التي يمكن أن يعلن المرء بها إسلامه وانتماءه إلي الأمة، وتلك هي الأركان التي ظن البعض من بعد أنها كل الإسلام، أما الإسلام العالمي فيأمر الفرد المسلم بالقيام والوفاء بكل الأوامر والأركان العديدة الواردة في القرءان، هذا فضلا عن الأركان الملزمة للأمة.
4. كان وجود النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فيما بينهم رحمة بهم وتخفيفا عنهم وكان يستغفر لهم ويصلي عليهم ويزكيهم ويعلمهم ويبين لهم، أما الإسلام العالمي المكتمل فيجعل القيام بكل ذلك مسئولية الفرد نفسه ويجعل تحقيق كل ذلك يتم بالقيام بأركان الدين كلها والوفاء بها ولقد قال تعالي: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)} (النحل)، فالرسول كان يبيِّن لقومه ما يغمض عليهم أما بعد انتقاله فلا بد أن يُعمِل كل فرد ملكاته الذهنية ومنها الفكر لكي يتبين له الذكر.
5. كان الرسول هو الذي يقوم بنفسه بتعليمهم وتزكيتهم، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين} [الجمعة:2]، وهذا أمرٌ جلل وخطير، وسلاح ذو حدين، وهو يضاعف عليهم المسؤولية والتبعات.
6. كانوا هم المعنيين أساسًا بكثير مما نسب إلي الرسول مما ورد في المرويات الظنية والتي قد يصح بعض ما ورد فيها ولكن لم يعد المسلمون مطالبين به، ذلك لأن الدين لم يأخذ صورته النهائية ولم يكتمل إلا قبيل انتقال الرسول.
7. كان مسموحًا لهم بتلاوة القرءان بألسنتهم المختلفة عن اللسان الذي أنزل به.
ويجب العلم بأن قوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كانوا ملزمين بطاعته من حيثيات عديدة منها أنه رسول الله تعالى إلى العالمين وأنه رسول الله تعالى إليهم خاصة وأنه بحكم ذلك كان ولى كافة أمورهم بما فيها الأمور العامة، ولذلك تنوعت الأوامر التي كانت تصدر عنه.
*******
إن سنة الله تعالى في قوم كل نبي أنهم إن لم يؤمنوا يعذبهم عذابا شديدا حتى يُستأصلوا، فلا ينجو إلا الذين آمنوا، وكان ذلك يتم من قبل بآية مادية أي بأمر خارق للمألوف واستبدل بذلك بالنسبة إلى قوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ أن يقاتلهم حتى يسلموا إذا ما اعتدوا على المؤمنين، أما بالنسبة إلى العالمين فالرسالة رسالة رحمة والدعوة إلى الإسلام إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن والحوار، أما العدوان فمحرم تحريما باتا ولا يمكن لأحد أن يتقرب إلى الله تعالى بعصيان أوامره والتمرد عليه، فلا قتال لإكراه الناس على الإيمان وإنما القتال لدرء الفتن والعدوان والاضطهاد الديني وللدفاع عن المستضعفين في الأرض، فإذا ما شنت أمة عدوانا على المسلمين لفتنتهم في دينهم أو لكسر شوكة المسلمين وجب قتالها فإن جنحت للسلم يجب إيثاره أما إن تمادوا في العدوان فيجب على المسلمين أن يستمروا في القتال إلى أن يتحقق لهم إحدى الحسنيين فإن انتصروا فليس لهم أن يكرهوا المهزومين على اعتناق الإسلام إذ لا إكراه في الدين وإنما لهم أن يلزموهم بدفع غرامة حربية عادلة تعرف بالجزية، وليس لهم بالضرورة أن يحتلوا بلادهم فإن تحتم ذلك لأي سبب من الأسباب فيجب الالتزام التام بالقيم الإسلامية والأسس والمبادئ التي أرساها الإسلام العالمي للتعايش السلمي بين الناس، وكل ما قرره السلف بهذا الخصوص هو أمور اجتهادية يمكن الاستئناس بها ولا يلزم الأخذ بها، وفي تلك الحالة فإنه علي المتمسكين بدينهم القديم أن يؤدوا إلي أولي الأمر ضريبة تكافئ ما يؤديه المسلمون من الزكاة كمساهمة لازمة في إدارة شؤون الجميع، ولقد أخطأ المسلمون عندما سموا تلك الضريبة بالجزية؛ وربما كان ذلك لأنهم لم يجدوا اسمًا آخر.
*******
لقد كان الرسول مكلفًا بقتال المشركين من العرب والأعراب من قومه إذا اعتدوا على المؤمنين حتى يسلموا ولم يكن مسموحًا له بأن يقبل ببقائهم على عبادة الأوثان، أما الرسالة العامة فهي التي مارس مقتضياتها مع أهل الكتاب فهي تنص على أنه لا إكراه في الدين وتسمح ببقائهم على ما هم عليه، ولقد أمر بمعاملة المجوس كأهل الكتاب فدلَّ ذلك على أنه كان ثمة أحكام خاصة بقومه من دون الناس.
*******
إن بعثة الرسول العامة إلى العالمين تضمنت بعثته الخاصة إلى قومه وعلي عكس الاعتقاد الشائع فإن القرءان المكي هو الذي يتضمن معظم أسس الدعوة العالمية لذلك كان من علاماته للنداء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} كما في: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [الأعراف:158]، أما القرءان المدني فيتضمن بالإضافة إلي المقاصد والسنن العامة كل ما يلزم لبناء أمة خاصة من العرب بعد إلزامهم بالرسالة الخاصة، لذلك كان من علاماته المميزة أوامر للمؤمنين وللذين آمنوا، ولقد كان مطالبا نتيجة لذلك بتعليمهم وتزكيتهم وولاية كافة أمورهم، وكان عليه أن يخاطبهم علي قدر عقولهم أي علي قدر ما لديهم من إمكانات وملكات وما ألفوه من ألفاظ وتعبيرات ومفاهيم ومعارف وتصورات، وإن حرص البعض علي تدوين كل ذلك لا يجب أن يترتب عليه إلزام الناس بعادات وتقاليد العرب والأعراب ومستوي ثقافتهم ومعارفهم، ولكن جاء من حاول تحويل تلك العادات إلى دين واجب الاتباع بل جاء حتى من الأدباء من حرم علي الشعراء البكاء إلا على الطلل الدارس.
*******
إن جوهر كل دين هو ما يريد أن يقدمه للناس من تصور عن الإله، ولقد قبل الرسول من الأعراب إسلامهم أي إذعانهم وترك للزمن ومقتضيات التطور أمر ارتقائهم وشهد بالإيمان للجارية العجماء التي أشارت إلى السماء عندما سألها عن ربها، فلقد أعلنت بذلك أن ربها ليس من هذه الأصنام الأرضية بل إنه فوق ما يظنون، وهذا يبين أيضا أنه لا يمكن أن يتساوى اثنان فيما لدى كل منهم من تصور عن الإله وإلا فكيف ستتفاوت الدرجات في الآخرة والتي هي أكبر درجات وأكبر تفضيلا، والمذاهب السائدة تستمد تصورها هذا مما لديها من المصادر التراثية مثل المرويات الظنية وليس من القرءان الكريم نفسه، فإذا كان الاختلاف في هذا التصور علي أهميته القصوى مسموحا به فكيف لا يقبل الاختلاف فيما هو من دون ذلك، ومن المعلوم مثلا أن العامة ويمالئهم في ذلك رجال الدين الرسميون يتخذون من مروية الترمذي مرجعا مقدسا لمعرفة أسماء الله الحسنى ولا يقبلون بغير ذلك أبدا مع أن رجال الحديث منهم يعلمون أن هذه المروية غير صحيحة وأن الأسماء التي فيها مدرجة.
ولقد أدى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وأشهدهم على ذلك، وخطبة حجة الوداع كانت بصفة عامة خاصة بقومه، وكذلك ما تلاها من الوصية بالعترة وإعلان النتيجة العامة عليهم، وهي أن الإمام عليا هو سابقهم، والولي عليهم، ولقد كان قد أعلن من قبل أنه منه بمثابة هارون من موسى، وهذا يعني استخلافه على الأمة ورغبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ في ألا تتحول الأمة إلى دولة من دول القرون الوسطى، فمن مقاصد الإسلام أن يكون هناك أمة خيرة فائقة تحمل رسالة الحق للعالمين، وليس دولة لها أيديولوجية تستعملها للقهر والتوسع على حساب الآخرين.
وفي خطبة حجة الوداع بشَّر وأنذر وهدد وتوعَّد، وأبرق وأرعد، وهو من بعد انتقاله أصبح شهيدا عليهم، وهم تُركوا ليعمل كلٌّ على شاكلته، فالدنيا دار ابتلاء، فهم مسئولون عن أعمالهم وعن اختياراتهم لأنفسهم، ولم يكن من مهام الرسول أبدا تأسيس دولة يحكمها أهل بيته من بعده، بل إن هذا هو ما رماه به خصومه، وهذا أيضا هو المستحيل بعينه، فسيظل أكثر الناس مشركين وللحق كارهين وسيظلون كالأنعام بل أضل سبيلا وسيظلون يتبعون الظنون.
ومن المعلوم أن أكثر الناس رفضوا العمل بوصيته، ولم يقوموا بما أوصاهم به، أوصاهم بالنساء فحرموهن أكثر حقوقهن التي قررها لهم الدين، وظلموهن، وحذرهم من الدنيا فتنافسوها، وحذرهم من أن يعودوا كفارا يضرب بعضهم رقاب بعضٍ فضرب بعضهم رقاب بعض، وأوصاهم بالتمسك بكتاب الله فاتخذوه مهجورا.
ولكي يبدد الشيطان أي أمل لمراجعة كل هذه الأمور فإنه جعل من المنحرفين المبدلين صحابة أجلاء وأئمة مقدسين؛ لهم العلو المطلق على العالمين، وبذلك ضمن أن يظل أكثر الناس من المغضوب عليهم والضالين وعبيدا لهم مسبحين بحمدهم مقدسين للتراب الذي وطأته نعالهم، ومن المعلوم أن عبيد النعال لن تتجاوز قيمتهم هذه النعال بأي حالٍ من الأحوال.
*******
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الروم47
وكذلك قال تعالي: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ(171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ(172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ(173)} (الصافات)
إنه لابد من انتصار الرسول ومن آمن معه، والرسول هو رسول بالأصالة ونبي، وهو من بُعث بشريعة من الأمر إلى قومه لتحقيق مقاصد الدين العظمى كلها ومنها إعداد الأمة الخيرة الفائقة، وانتصاره الحتمي إما أن يكون بإهلاك من لم يؤمن من قومه وتحقيق هذا المقصد بمن بقى معه في أرض جديدة يهاجر إليها وإما بأن يؤمن قومه ويحقق بهم هذا المقصد، ولا ظلم في إهلاك من كفر، ذلك لأن الرسول كان يأتيهم عادة بالبراهين الدامغة ويقيم عليهم الحجج الساطعة، أما هم فكانوا يتمادون في الكفر والعصيان والفسوق والإجرام حتى يحق عليهم القول فيتحتم إهلاكهم وإراحة الأرض من شرهم، وهلاك الفئة التي تحجرت وأصبحت عقبة في سبيل التطور هو أمر لازم لظهور كائنات أرقى ولتحقيق المقاصد الوجودية، وهذا ما حدث مع أقوام نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب وقوم تبع...الخ، ولا ظلم في ذلك.
أما الأنبياء الذين قد يرسلون ليجددوا شريعة قائمة أو لتحقيق المقصدين الأول والثاني فقط فإنهم قد يتعرضون للقتل على أيدي أقوامهم وعندها يتعين القصاص من تلك الأقوام بأن يسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب أو بأية وسيلة أخرى.
إن الرسول لا يُبعث إلى قومه ويقيم عليهم الحجج والبينات ليدخل معهم في جدل بيزنطي ولا ليفتح الباب لاقتراع عام ولا لمناقشات برلمانية لا تنتهي ولا ليجري استفتاءً بشأن الرسالة التي تلقاها من ربه، لذلك فإن لأقوام الرسل أحكامهم الخاصة، ولا يجوز لمن يأتي من بعدهم أن يعمم هذه الأحكام، فلا يجوز لمتسلط هو أعدى أعداء الدين وهو بأفعاله أكبر صادّ للناس عن سبيله أن يعتدي على قوم آمنين لم يقم بواجب الدعوة تجاههم بحجة نشر الإسلام أو الانتصار له، بل إن وجود المتسلط المعتدي يعني الإخلال بشرط البلاغ المبين، ويجب العلم بأن القتال ليس من أساليب الدعوة، أما أساليب الدعوة فهي مبينة في القرءان في آيات محكمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، كما أنها تبين ما يجب على الداعي الالتزام به ردا على ردود أفعال قومه، ومن هذه الآيات:
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}النحل125، {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256، {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }يونس99، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ{21} لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ{22} الغاشية، {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}الأنعام104، {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ} ق45.
*******
سنن إلهية ثابتة
إذا أرسل الله تعالى رسولا إلى قوم من المشركين أو الكافرين فلابد من الفصل بين الفريقين في الحياة الدنيا بهلاك من كفروا ونجاة من آمنوا وبانتصار الرسول والمؤمنين، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الروم47.
وإيمان الكافرين بعد رؤية بأس الله تعالى لا ينفع، قال تعالى:
{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} غافر85.
ولو لم يسلم العرب والأعراب لحاقت بهم هذه السنة على أيدي المؤمنين بعد نسخ استعمال الآيات الكونية مع أقوام الرسل، ولذلك أرسل الرسول الحملات لتحطيم أصنام كل القبائل، فأثناء فترة الرسالة لابد من احتدام الصراع الدامي بين الحق والباطل، ولابد من إلحاق عذاب الخزي بمن كفر برسالة الرسول.
*******
إن الله تعالى هو الذي يدبر الأمر ويبتلي الناس بعضهم ببعض، وعندما يرسل رسولا إلى قومه فبحكم الطبيعة البشرية لن يؤمن به إلا قلة منهم، هذا أمر لا ريب فيه، وكل قصص الرسل الواردة في القرءان تثبته، وقد يقول قائل لقد آمن قوم الرسول كلهم في النهاية، هذا ليس بصحيح، قال تعالى:
{يس{1} وَالْقرءان الْحَكِيمِ{2} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{3} عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{4} تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ{5} لِتُنذِرَ قَوْما مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ{6} لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ{7} يس، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف103، وحتى من آمنوا لم يخلوا من شرك: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} يوسف106، فأكثر قوم الرسول –رغم كل حملات التقديس والتوثين والتأليه- أسلموا ولم يؤمنوا! ولذلك كثر المنافقون في عهد الرسول، وارتد أكثرهم أو انقلبوا على أعقابهم من بعد الرسول.
ولكن الله تعالى تعهد بأن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا قبل الآخرة، والصراع بين الفريقين أمر حتمي، ولكن الرسول انفرد من بين كافة الرسل بأنه مرسل للناس كافة بالإضافة إلى بعثته الخاصة إلى قومه، هذا ما تذكره آيات القرءان والتي غفل عنها الكثيرون.
*******
إن حرية العقيدة من أقدس أسس الإسلام وقيمه، ولكن لأقوام الرسل أحكامهم الخاصة التي لا يجوز تعميمها، وكان على الرسول والذين آمنوا معه أن يقاتلوا المشركين (بحكم أنهم معتدون؛ يمارسون العدوان، ولا يمكن أن يسمحوا ببقاء الفئة المؤمنة) حتى يسلموا (الإسلام هنا هو الدخول في السلم والنطق بالشهادة، والتوبة عن عبادة الأصنام)؛ وليس حتى يؤمنوا (فلا إكراه في أمر الإيمان بمعنى أنه لا توجد سلطة أرضية تستطيع إدخال الإيمان في قلب من لا يؤمن)، هذه كانت أوامر القرءان، والتي التزم بها الرسول، وإلا فلماذا حطَّم أصنام الكعبة بعد فتح مكة؟ ولماذا أرسل الرسول (بعد فتح مكة) الحملات لتحطيم أصنامهم وحظر الممارسات الشركية؟ لماذا لم يعلن عليهم أنه لا إكراه في الدين وأنه من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؟ لماذا لم يترك لهم حرية الاختيار؟ هل لأنه هزمهم قرر حظر ديانتهم وإهمال مبدأ حرية الإيمان؟ أم إن الناس هم الذين أساءوا فقه الآيات؟ أما مِن بعدهم فيجب الرجوع إلى الأحكام العامة؛ أي التمسك بحرية الدين والإيمان بل والدفاع عنها، لا يجوز الخلط بين أقوام الرسل وبين غيرهم!
سيقولون: وما معنى {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الواردة في سورة "الكافرون"؟
فالجواب هو: هذه الآية تقرر حقيقة لا ريب فيها؛ فدين الرسول يختلف بالضرورة عن دين مشركي قريش، وهي لا تعني القبول بعدوان المشركين، ولا يجوز اقتطاع الآية من سياقها، وهي تعني في سياقها أنه لا مجال لأي حلولٍ وسط فيما يتعلق بأمر الدين، فالتباين مطلق تام، ولا مجال لتقديم أي تنازل للكافرين في شأن الدين، والسورة تؤكد ذلك بتكرار الآيات، قال تعالى:
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} الكافرون
أما بخصوص القتال فهو لا يكون مشروعا إلا عند توفر أسبابه الشرعية: رد العدوان، الدفاع عن المستضعفين، منع فتنة المؤمنين في دينهم، التصدي للبغي، والقتال ليس وسيلة للدعوة أبدا.
ولا يحقّ لأحد أن يقول: "ولماذا لم تنزل الأوامر بالقتال إلا في المدينة بينما أُمِر المسلمون بالصبر في مكة؟" والجواب هو: "وهل كنت تظن أن الله تعالى سيأمر المؤمنين بأن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة؟ وكيف كان يمكن أن يتم هذا القتال وهم مختلطون ببعضهم البعض اختلاطا شديدا؟ وهل نزلت كل أحكام الدين دفعة واحدة؟" وقد يقول قائلهم: "ألا يُعدّ نزول الأمر بقتال المعتدين نسخًا بعد أن كانت الأوامر هي الصبر عليهم؟ والجواب هو: "إن نزول أحكام جديدة لحالات جديدة لم تكن موجودة أصلا لا يُعدّ نسخا للأوامر القديمة الخاصة بحالات أخرى، والحالة الجديدة هاهنا هي أن المؤمنين أُخرِجوا ظلما من ديارهم ونُهبت أموالهم وديارهم واعتُدِي عليهم، فكانت هذه هي المناسبة الصالحة لتنزيل الأمر بقتال الكافرين والذي كان مقدَّرا سلفا".
*******
إن الرسل لا يُرسلون إلى أقوامهم عبثا، إن الرسول يأتي لقومه برسالة الحق معلنا لقومه أنهم على باطل، وهو يبدأ في الدعوة إلى الحق الذي يعرفه، ولا يؤمن به عادة إلا القلة، وأكثرهم عادة من الضعفاء أو المغلوبين على أمرهم مثل العبيد، لذلك هم مأمورون دائما بالصبر، ولكن الملأ من قوم الرسول ومعهم أتباعهم وهم الأكثرية لا يمكن أن يصبروا على ما يتضمن مساسا بدينهم؛ الملأ لدفاعهم عن مصالحهم وسلطانهم، أما العامة فلكونهم متبعين ولا يعلمون، ولكونهم أكثر تمسكا بما ألفوا عليه آباءهم، ولذلك لا محيص من أن يبدأ من رفضوا الرسالة في اضطهاد المؤمنين، وهم عادة يتمادون في الإجرام إلى المدى الأقصى، والسنة الإلهية تقتضي أنه إذا تجاوز الاضطهاد حدا معينا يهدد بقاء الرسالة الجديدة فلابد من حسم الأمر مع الكافرين بإهلاكهم مع تدبير الأمر لنجاة الرسول والذين آمنوا معه، كان ذلك يتم قبل عصر خاتم النبيين بآية كونية، وتم نسخ ذلك في الرسالة الخاتمة وأصبح حسم الأمر مع الكافرين منوطا بالفئة المؤمنة، قال تعالى:
{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ{137} هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ{138} وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{139} إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ{141} آل عمران، {....وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ{7} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ{8}}الأنفال.
فالتدبير الإلهي يقصد إلى قطع دابر الكافرين من قوم الرسول، ولكن العدوان محرم تحريما باتا لا ريب في ذلك، ولكن لا يمكن أن يصدر عدوان من الذين آمنوا من قوم الرسول لأنهم قلة، فالعدوان يأتي دائما من جانب الذين كفروا، وعندها يجب قتالهم حتى يسلموا وحتى يكون الدين لله تعالى وحتى تنتهي الفتنة.
فالسنة الإلهية تقضي بهلاك من كفر بالرسول وبانتصار هذا الرسول ونجاته هو ومن آمن معه، فلا مجال للكلام عن حرية العقيدة في زمن الرسالة الاستثنائي ومع قوم الرسول وإلا لما حطّم الرسول أصنامهم ولاكتفى بأن قهرهم وتركهم وشأنهم في أمر دينهم.
هذا هو معنى وفحوى ومنطوق آيات القرءان وحديث الرسول وسيرته، اقرءوا كل القرءان وتدبروا سنة الله مع أقوام الرسل حتى يتبين لكم الحق، قد يكون كل ذلك صادما لمن يريد أن يرى الأمر بمقاييس العصر الحالي أو بمقاييس المجتهدين الجدد أو بمقاييس من يريدون أن يلغوا من الدين كل ما لا يتناسب مع أذواق الغربيين.
ومع كل ذلك فإنه يجب إدراك ما يلي: الدعوة إلى الإيمان شيء، والقتال شيء آخر، كما يجب معرفة أن المطلوب من قوم الرسول ممن أبوا الإيمان كان الإسلام للأمة المؤمنة، وليس إكراههم على الإيمان، ولذلك كان وجود المنافقين حقيقة يجب التعايش معها!!
أما يهود يثرب وغيرها فهم أهل كتاب، وليسوا من قوم الرسول بالمعنى الخاص، فهم حالة خاصة من العالمين وطبقًا للقرءان هم من أهل الكتاب، ولذلك تضمن القرءان أنواع من الخطاب؛ منها خطاب موجه إلى المشركين من قوم الرسول، ومنها خطاب موجه إلى بني إسرائيل وأهل الكتاب، فأهل الكتاب لهم أحكامهم الخاصة، هي الأحكام المقررة في الرسالة العامة المتعلقة بالناس كافة، أي حرية العقيدة، ووجوب البر والإقساط إليهم -حتى وإن كفروا بما لدى المؤمنين من دين- طالما سالموا المؤمنين، فهم ملزمون بمسالمة المؤمنين وعدم المظاهرة عليهم، ولهم أن يلتزموا بما تقرره شريعتهم، وكان لهم أن يحتكموا إلى الرسول إذا شاءوا، ولكن إذا انحازوا إلى الكفار وتآمروا معهم ضد الأمة المؤمنة فإنه يتعين على هذه الأمة مواجهة هذا الموقف بدعوتهم سلميا إلى التراجع عن موقفهم فإن أبوا فهم أعداء معتدون، ويجب التصدي لعدوانهم، وحماية الأمة من شرهم، وعندها لا يجوز أن يتوقف القتال إلا بأن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، والجزية هي غرامة حربية يدفعونها بسبب بغيهم وعدوانهم، أما إذا أسلموا (ولو نفاقا) فإنهم يصبحون لتوِّهم إخوانا للمؤمنين وأعضاء في الأمة المؤمنة لهم كافة حقوق المؤمنين.
أما يهود بني قريظة فقد نكثوا بعهدهم واقترفوا جريمة الخيانة العظمى ضد شركائهم في الوطن، وهذا رغم وجود عهد وميثاق وتحالف؛ أي اتفاقية دفاع مشترك بمصطلحات هذا العصر، وقد تحالفوا مع الكفار ضدهم أثناء حصار المدينة وتهديد من فيها بالإبادة، وكان على الأمة المؤمنة التصدي لهذا الخطر الداهم، وبالفعل تحرك الجيش المؤمن إلى صياصيهم وحاصرهم، وترتب على ذلك حدوث معركة دامية قُتل أكثر اليهود فيها، أما قادتهم الذين وقعوا في الأسر فحوكموا وحُكم عليهم بالحكم العادل، وليس صحيحا أنه حدثت مجزرة لكل اليهود بعد القتال كما يقول ابن إسحاق عميلهم الدجال، ولكن الصحيح هو أن المعركة معهم كانت شرسة ودامية لأنهم كانوا يعلمون مدى فداحة ما اقترفوه من الخيانة المهلكة ولأن المسلمين كانوا يعلمون ماذا كان من الممكن أن يترتب على خيانتهم.
*******
إنه عندما يبعث في أمة ما رسول من أنفسهم فإنه لابد من نشوء صراع مصيري بين من آمنوا به وبين من كفروا به ولابد من انتهاء هذا الصراع بانتصار المؤمنين والقضاء علي الكافرين، فتلك سنة إلهية لا تبديل لها ولا تحويل، ولا يمكن أن ينتهي الصراع بتعايش من أي نوعٍ كان بين الفريقين، ولقد بُعث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلي قومه، ولذلك كان لابد من نشوب الصراع المذكور بين من آمن وبين من كفر، فمن آمن بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنون أو الذين آمنوا (اصطلاحا في الكتاب)، ومن كفر فهم المشركون والكافرون والذين كفروا (اصطلاحا)، ولم يكن مسموحا بانتهاء الأمر بالتعايش بين الطرفين، فلقد كان المشرك محض عدو للمؤمن ونزلت آيات الكتاب مبينة لذلك.
أما أهل الكتاب من العرب فلقد نصَّ القرءان علي ضرورة التعايش معهم ومعاملتهم بالحسنى إلا من ظلم واعتدى منهم، ولقد كان لهؤلاء أحكامهم الخاصة أيضا لخطورتهم علي قاعدة الإسلام الأصلية ولكونهم عربا، أما أسلوب التعامل مع الشعوب الأخرى خارج نطاق الجزيرة العربية فيقوم على أن السلام هو الأصل وأن القتال هو الاستثناء، فإذا ما توفرت شروط القتال كأن يعتدي شعب من أهل الكتاب مثلا علي المسلمين لإكراههم مثلا علي ترك دينهم أو لمجرد كونهم مسلمين فلابد من قتالهم، وثمة هاهنا مخرج من استمرار القتال وهو أن يلتزموا صاغرين بدفع الجزية للمسلمين؛ وهي بمثابة غرامة حربية تكفي لردعهم عن تكرار اعتداءاتهم ولتعويض المسلمين عما تحملوه من تكاليف القتال.
أما في حالة وجود مجموعة من البشر في بلدٍ تتعدد أعرافهم وأديانهم ولكن توحدهم الأرض المشتركة والمصير المشترك والمصالح المشتركة في مواجهة الأمم الأخرى -وهو الوضع السائد حاليا- فيجب أن يتعاون الجميع لتحقيق صالح بلدهم، وعلي المسلمين سواء أكانوا أغلبية أم أقلية أن يلتزموا بأرفع القيم الإسلامية في تعاملهم مع الطوائف الأخرى، فعلي المسلمين أن يعاملوا الأقليات في بلادهم بنفس المعاملة التي يرجونها للأقليات الإسلامية في البلدان الأخرى، أما الأقلية الإسلامية في بلدٍ ما فعليها أن تتعايش مع باقي الطوائف في هذا البلد وأن تعمل علي الرقي بنفسها علي كافة الأصعدة وأن تكون عامل دعوة للدين لا سببا في صد الناس عنه، كما أن عليهم أن يقوموا بواجباتهم تجاه أوطانهم، ومن ذلك أن يشتركوا في رد أي عدوان عليها، وهم مطالبون بتكوين أمة أينما كانوا، ولكنهم ليسوا مطالبين بتكوين جيتو، إن الأمة هي البديل الإسلامي عن الجيتو، إنه على المسلمين أن يعملوا بمقتضى أسمى القيم وأن يكونوا مثلا عليا في الفضائل لأن ذلك هو ما يلزمهم به دينهم وليس بهدف اجتذابهم إليه، إن المسلم يتزكى بالتحلي بالأخلاق الكريمة لأنها تقربه زلفى إلى من له الأسماء الحسنى التي هي مصدر القيم النبيلة والأخلاق الكريمة.
*******
رغم أنه كان محتما هلاك من كفر من قوم الرسول كما جرت السنن، ورغم أن استعمال الآيات الكونية أو المعجزات المادية لتحقيق ذلك قد نُسِخ بما يعني أن هلاكهم أصبح مقررا أن يتمّ على أيدي من آمن فإن الله تعالى دبَّر الأمر بحيث لا يكون المؤمنون معتدين أبدا، ذلك لأن العدوان محرم تحريما باتًّا في القرءان، فهو لم يكن ليباح لقرن الرسول، لذلك لم يكتب القتال على المسلمين إلا من بعد أن أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي من بعد أن اضطهدوا في دينهم ومنعوا من ممارسته وصودرت أموالهم، لذلك كان لهم الحق في أن يخرجوا ليستولوا من قريش على شيء مما نهبته منهم، فلم يكن يتوفر أية موارد للعيش لهم في المدينة التي تكفي سكانها بالكاد.
أما غزوة أحد فكان القرشيون هم المعتدين فيها وهم الذين حددوا توقيتها، وكذلك الأمر بخصوص غزوة الخندق، وكانت قريش هي التي تمنع المسلمين من الحج إلى بيت الله المقدس عند سائر العرب في حين لم تمنع غيرهم منه، وهي التي تصدت لمحاولتهم فعل ذلك مما ترتب عليه صلح الحديبية الذي نقضته هي مما ترتب عليه قرار فتح مكة وفقا لنفس المعاهدة.
أما الهجمات التي كانت تُشنّ على القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة فكانت هجمات استباقية عندما تأتي الأنباء باحتشادهم لمهاجمة المدينة، ومن المعلوم أن قبائل الأعراب المحيطة بالمدينة كانت قبائل غادرة شرسة لا ترقب في مؤمن إِلًّا وَلاَ ذِمَّةً ولا تحترم عهدا ولا ميثاقا، لذلك كان لابد من مقاتلتهم حتى يُسلموا بمعنى أن يذعنوا للأمة الإسلامية والتي كانت تعطيهم كافة حقوق المؤمنين رغم أنه لمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم.
والرسول سنَّ للناس ما يفعلونه فيما يتعلق بالدعوة، فهو كان يكتفي من كل قبيلة بإعلان إسلامها وكان يرسل لها من يعلمها أمور دينها ويقضي بين أفرادها وفقا لأحكام القرءان ويجمع الصدقات، وقد كان يقبل منهم الإسلام ولم يجبرهم على الإيمان، أما بخصوص العالم الخارجي فمن المعلوم تماما أنه اكتفى بإرسال الرسل إلى كبار المسئولين والقادة فيها يدعوهم إلى الإسلام ويحملهم مسئولية شعوبهم إن أبوا ويطلب منهم الشهادة للأمة الوليدة بأنها أمة مسلمة، وقد قبل الهدايا ممن سالمه منهم وأحسن استقبال رسله، ولكن كان عليه أن يتصدى لمن قتلوا رسله مثلما فعل مع دويلة عرب جنوب الشام الذين كانوا عملاء للروم، أما كسرى الذي مزق رسالته وأظهر الاستخفاف بشأنه وأرسل إلى عامله باليمن ليأتيه به! فاكتفى بالدعاء عليه كما هو معلوم، وهو لم يأمر أحدا بشن حرب شاملة على الفرس وإنما كان يعلم أن الأمور ستسير في هذا الاتجاه.
*******
إنه لا خيار لأقوام الرسل في شأن الدين بعد تمام ظهور الحجة، ذلك لأن رسولهم كان يُبْعث إليهم بلسانهم ويقيم عليهم الحجج ويقدم لهم البينات التي يرى رب العالمين أنها كافية تماما لإقناع السويّ منهم، لذلك كان لابد من حسم أمر كل واحد منهم على حدة، لقد أراد الله أن يكون للرسالة الخاتمة حَمَلة، ولم يأمر الله ورسوله بقتل المنافقين لأنه كان سيخرج من أصلابهم مؤمنون حقيقيون يحملون الراية ويجاهدون مع من سبقهم بالإيمان، وكذلك قُبِل إسلام الأعراب على أمل أن يتسرب الإيمان إلى قلوبهم شيئا فشيئا، كذلك لم يكن يجوز لأحدهم أبدا الارتداد عن الإسلام المقترن بالانضمام إلى صفوف الكافرين ومظاهرتهم على المؤمنين، ومع كل ذلك فلقد فُوِّض أمر المرتدين إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لذلك عفا عن بعضهم وأمر بقتل البعض الآخر، ومن أمر بقتلهم كانوا أشدهم خطورة على كيان أمة وإمعانا في الغدر والخيانة، أما غير أقوام الرسل فحكمهم إلى الله، وحكم الله موجود في كتاب الله.
ولقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم نصيبا من الصدقات، وهذا يبين مدى الحرص على حياة الإنسان في كافة الظروف.
إن الإيمان بالرسالة الخاتمة هو وسيلة الإنسان للفوز في الدنيا والآخرة، ومن المعلوم أن البشر قلَّما يقبلون أن يحمل رسالة الله تعالى إليهم واحد منهم أو أن ينفكوا عما ألفوا عليه آباءهم، وهم عادة لا يكتفون بالرفض وإنما يتصدون بشراسة وإجرام لمن يأتيهم بما لا عهد لهم به كما يضطهدون من يتبعه، فأمثال هؤلاء يجعلون من أنفسهم عقبة كؤود في سبيل تقدم البشرية وخلاصها، لذلك كان يتحتم دائما الخلاص منهم لصالح البشرية من بعدهم.
ويجب العلم بأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كان مُكلفًا بقتال قومه من العرب والأعراب الذين كفروا برسالته وعملوا على الكيد لها وإطفائها والاعتداء على من آمنوا بها حتى يسلموا من حيث أنه مرسل إليهم خاصة كما هو مرسل للناس عامة، فثمة أحكام خاصة بأقوام الرسل لا يجوز تعميمها على غيرهم، فلابد من الفصل بين من آمن بالرسول وبين من كفر به في هذه الحياة الدنيا، وتلك هي السنة التي بينها القرءان بأجلى بيان، إنه يجب أن يعلم الناس ما يلي:
1. أن الرسول كان مرسلا إلى قومه خاصة كما هو مرسل للناس كافة، وهذه الرسالة الخاصة إلى قومه ثابتة بالقرءان، قال تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْما مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} يس6، {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ }الأنعام92، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرءانا عَرَبِيّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }الشورى7.
2. قدم الرسول لقومه كل ما يلزم من البينات والبراهين، وكل رسول ملزم بذلك، فمن لم يؤمن من قوم الرسل بعدما رأى ما يكفي من البينات والبراهين بل وأخذ يضطهد من آمن فهو مجرم عات يشكل خطرا على البشرية ويجب التخلص منه لصالح تطور وتقدم البشرية كأي مجرم ميؤوس منه.
3. كان القضاء على الكفار المجرمين يتم من قبل باستعمال آية كونية وقد نُسخ ذلك في الإسلام ومع خاتم النبيين المبعوث رحمة للعالمين.
4. أعلن القرءان أن الخلاص من الكفار المجرمين سيتم بأيدي من آمن من قوم الرسول فيتحقق الابتلاء للطائفتين ويتم اتخاذ شهداء من المؤمنين، قال تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ }محمد4، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}آل عمران140.
5. لا يجوز تعميم أحكام قوم الرسول على غيرهم، وهذا ما بينه القرءان بأجلى بيان عندما نص على سبل الدعوة والتعامل مع الآخرين، وهذا هو عين العدل فهم لم يروا رسولا يقدم لهم ما يكفي من الأدلة والبراهين لإثبات صحة الإسلام وإنما رأوا أناسا يسمون أنفسهم بالمسلمين يعتنقون مذاهب مضادة للإسلام ويكفي سلوكهم لصد كافة الأمم عن سبيل الله تعالى.
6. إنه يجب تمامًا العلم بأن القضاء النهائي والفصل التام بين أتباع كافة الأديان والمذاهب لن يكون إلا في يوم الفصل، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}الحج17، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }السجدة25 {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }الممتحنة3، {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}يونس19، {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}الشورى14، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }البقرة113، {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا }النساء141، {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}النحل124، {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }الحج69.
7. لذلك فالمسلمون ملزمون الآن بالتعايش السلمي البناء المثمر مع غيرهم مع الدعوة إلى الإسلام بالوسائل السلمية المبينة في القرءان، وهم آثمون إذا جعلوا من أنفسهم أدوات شيطانية لصدّ الناس عن سبيل ربهم، وعندها سيدفعون الثمن باهظا في الدنيا قبل الآخرة.
*******
لقد كان ثمة أحكام خاصة بقوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ من حيث أن رسالته العامة تتضمن رسالة خاصة إليهم ولقد نص الكتاب صراحة على ذلك، ولذلك نهى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تدوين أقواله وأفعاله لأنه لم يكن مقدرا لتلك الأحكام أن تطبق على الناس كافة، وتلك الأحكام تتضمن أيضا أحكاما خاصة بمعالجة وضع كان قائما وهو وجود فئة قليلة مؤمنة محاصرة من كافة الاتجاهات ببحار من الشرك والقوى المناوئة وثمة معركة مصيرية بين الفريقين لابد أن تنتهي بالنصر التام لطرف مقابل الهزيمة والاستسلام التام من الطرف الآخر.
*******
استشهاد نبي من الأنبياء لا يعني أنه فشل أو هُزم، ونصر الله للرسول والذين آمنوا معه لا يعني بالضرورة أنهم خاضوا معركة عسكرية انتصروا فيها عليهم، فالمعاني الأصلية للنصر تعني الغوث والنجدة، يعني نجاة الرسول النبي ومن آمنوا معه من كيد قومهم وهلاك من لم يؤمن وأمعن في الكيد لهم من قومهم، وهذا ما لا يتحقق بالضرورة للنبي ولا للنبي المرسل.
*******
إن لأقوام الرسل خصوصية معينة وهى أنهم لابد من حسم الأمر معهم في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بعدما جاءهم رسولهم بالبيانات وأقام عليهم الحجج، فليس لهم إلا أن يؤمنوا أو أن يُستأصلوا بآية كونية، لذلك أُهلك قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبع وآل فرعون، وبالمثل أُهلك كل من تصدى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وبالغ في عداوته وعمل على إحباط دعوته، ولما كان استخدام الآيات الكونية قد نُسخ باكتمال الدين وإتمام استخلاف الإنسان في الأرض فلقد أُمر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أن يقاتلهم حتى يسلموا بمعنى أن يذعنوا، فلم يسمح لهم بالبقاء على ما هم عليه ولم يعاملوا معاملة أهل الكتاب، وهذا الحكم هو خاص بهم وحدهم ولا يجوز تعميمه، وبالمثل لا يجوز العدوان على الآخرين بحجة دعوتهم إلى الإسلام، ويجب معرفة أيضا أنه كان ثمة أوامر وتشريعات خاصة بقوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين لم يأتهم نذير من قبله.
فلقد كان ثمة أحكام خاصة بقوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ من حيث أن رسالته العامة تتضمن رسالة خاصة إليهم ولقد نص الكتاب صراحة على ذلك، ولذلك نهى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تدوين أقواله وأفعاله لأنه لم يكن مقدرا لتلك الأحكام أن تطبق على الناس كافة، وتلك الأحكام تتضمن أيضا أحكاما خاصة بمعالجة وضع كان قائما وهو وجود فئة قليلة مؤمنة محاصرة من كافة الاتجاهات ببحار من الشرك والقوى المناوئة وثمة معركة مصيرية بين الفريقين لابد أن تنتهي بالنصر التام لطرف مقابل الهزيمة والاستسلام التام من الطرف الآخر.
أما الشريعة العامة بكل البشر فهي شريعة الحق والرحمة وتقبل بوجود من يختلف عن المسلمين في الدين وتدرك أن سنن الوجود التي لا تبديل لها ولا تحويل هي التي اقتضت هذا الاختلاف وأن الحكم الفصل فيما بين شتي الطوائف هو يوم القيامة وتلزم المسلمين بالبر بمن يحيون بين ظهرانيهم من معتنقي الأديان والمذاهب الأخرى والإقساط إليهم بل وبالدفاع عنهم.
*******
إنه ينبغي العلم بأن الشيطان يستدرج الناس من حيث ما يحبون ومن حيث أمرٍ لا يشكون في مشروعيته كما استدرج الشيعة من حيث حبهم لأهل البيت فغلوا في أمرهم غلوا شديدا، وكذلك أضل أهل السنة بسبب غلوهم في أمر أهل القرن الأول وبسبب حرصهم على الذاتية والأمور الشخصية على حساب الأمور الحقية الموضوعية، ولذا قدسوا كل أهل القرن الأول -لا لأنهم اتبعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والنور الذي أنزل معه وحققوا كل المهام التي أنيطت بهم فكانوا خير أمة أخرجت للناس- بل لأنهم رأوا الرسول ولو لطرفة عين، والرسول هو خير خلق الله تعالى وهو الجدير بكل توقير وإجلال واحترام على ألا يُعبَد مع الله تعالى أو من دونه، ومجرد رؤية إنسان للرسول ليست بكافية لكي يتحول إلى ملك مقرب ولا ليكتسب أية عصمة أو عدالة ولا يكتسب درجة دينية عالية، ولقد رآه قومه ومع ذلك، حق القول على أكثرهم فلم يؤمنوا، ومن آمنوا كان أكثرهم مشركين، وكان منهم منافقون مردوا على النفاق، قال تعالى:
{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة:101]، {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:97]، {وَالْقُرْءانِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)} يس، { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} [يوسف].
وأكثر الناس صحبة للنبي ورؤية له نساؤه، ومع ذلك لم يكتسبن أية عصمة، ولا تحولن إلى ملائكة، بل قيل لهن:
{يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب:30]، {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير} [التحريم:4]، {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم:5].

مبارك إن شاء الله
ردحذفبارك الله لنا فيكم سيدنا ، في كلماتكم بيان وشفاء لعقول كانت من قبل في ضلال مبين بل كانت تظن نفسها على الصراط المستقيم .
ردحذفما شاء الله
ردحذفاللهم صل على سيدنا محمد وعلى اله وسلم
ردحذفمبارك ان شاء الله
ما شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله
ردحذفاللهم اجعل القرءان ربيع قلوبنا
ردحذفوَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
ردحذف[ سورة الأنعام: 115