من أسس التعامل مع القرءان
من أسس التعامل مع القرءان
القرءان مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء، وذلك بمعنى غناه الذاتي ككتاب ديني عن كافة مصادر المعلومات الدينية الأخرى، وغنى القرءان يتجلى ويتأكد في وفائه بكل مقاصده وفيما أحال هو نفسه الناس للنظر فيه مثل آيات الله في الأنفس والآفاق والتاريخ البشري، فقد جعل الله تعالى هذه الأمور بمثابة كتاب مصدق لما في كتابه المقروء، وهو الكتاب المهيمن في كل مجال ذكره أو عالجه.
ولكن القرءان لا ينطق بنفسه كما هو معلوم، فلابد من ناطق به، لديه القدرة على التدبر والتفكر والنظر في آياته، ولديه القدرة على الاستنباط منها، وكل ذلك ذكره وبيَّنه القرءان، ومن البديهي مثلا أن من لديه السليقة العربية ويفقه اللسان العربي هو أقدر على فقه القرءان من الأعجمي مثلا، وأكثر الناس -حتى المحسوبين على العروبة- أعاجم الآن.
والقرءان ليس كتابا تقليديا في الفلسفة والكيمياء أو ما أشبه بحيث يتفوق في إدراكه من لديه الملكات الذهنية الأفضل مثلا، ولكنه كتاب إلهي، فلابد للتعامل مع ذلك من قدرٍ كافٍ من التقوى والأدب، وقد قال الله تعالى:
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) البقرة، فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10)} الطلاق.
فأولو الألباب هنا هم ذوو الملكات الذهنية المتفوقة، ولابد لهم من التقوى لإدراك معاني القرءان والاستنباط منه، فلا يكفي أن يدخل الإنسان إلى حضرة القرءان مسلحا بعقل متميز وببعض المعارف الفلسفية والآراء العصرية، بل إنه قد يضل بسبب ذلك فيضل غيره، فالقرءان ليس كتابا محايدا، يجب الدخول إلى حضرته بالأدب اللازم، هو كتاب يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِين، وهُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، وهُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا.
والقرءان نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين عَلَى قَلْبِ خاتم النبيين بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين، ويحاول بعض المجتهدين الجدد الزعم بأن هذا اللسان العربي المبين هو لسانٌ آخر غير اللسان العربي المعلوم، ويحاول آخرون صرف كلمة "عربي" عن معناها المعلوم، وهم بذلك مكذبون بالقرءان وبسنة إلهية راسخة ذكرها الله تعالى في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [إبراهيم:4]
فالقرءان هو بلسان عربي مبين؛ أي موضح وكاشف، فالوصف "مبين" لا ينفي عربية القرءان وإنما يؤكدها.
ولا يجوز التشكيك المجاني في المعلومات الواردة في المعاجم والقواميس العربية، فمعاني الألفاظ الواردة فيها هي بصفة عامة صحيحة، ولكن يجب العلم بأن للقرءان الهيمنة عليها، فهو المصدر الأعلى والأرقى لعلوم اللسان العربي، كما أن القرءان أكسب بعض الكلمات معاني اصطلاحية بالإضافة إلى معانيها اللغوية.
ويزعم بعضهم أن القرءان خالف قواعد النحو العربي في مواضع عديدة! هذا الكلام يدين قائله كما يدين من استنبطوا هذه القواعد، ذلك لأنهم كان يجب أن يعتبروا القرءان المرجع الأعلى لعلوم اللسان العربي، فكيف وضعوا قاعدة دون الرجوع إليه فيها والتأكد من أنها متحققة تحققا تاما فيه؟ إن هذا يدل على أن صياغة قواعد اللغة العربية لم تتم وفق أسس علمية راسخة، بل كانت سلسلة من الاجتهادات، لذلك يمكن إعادة صياغتها على أسس جديدة، فمن المعلوم أن النظرية لا تُعتبر صحيحة إذا لم تنطبق ولو على حالة واحدة من الحالات التي من المفترض أنها تنطبق عليها، كما أن بعض القواعد ليست قواعد بالمعنى العلمي الدقيق، وإنما هي حالات غالبة أو قواعد أكثرية، كما أن بعضها كان متصلبا أكثر مما يجب، ولذلك نقول إن القرءان هو المصدر الأعلى لقواعد اللسان العربي، مثال:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [المائدة:69]، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:62]
فكلمة (الصَّابِؤُونَ) المعطوفة جاءت مرة مرفوعة ومرة منصوبة، وهذا لا يتفق مع قاعدة العطف المعلومة، لذلك حاول النحويون عمل المستحيل لتبرير ذلك! وقد ذكروا وجوها من الإِعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها الأكثرون، قال أحدهم: وقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: إيمانا حقا لا نفاقا. وخبر إن محذوف تقديره: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. دل عليه المذكور، وقوله: {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} مبتدأ. فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله {وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ} عطف على هذا المبتدأ. وقوله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}. خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة. وقوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص. فكأنه قال: الذين آمنوا من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالإخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإِيمان لا مطلقا.
وقال آخر: قوله {والصابئون} رفع على الابتداء وخبره محذوف. والنية به التأخير عما في حيز {إن} من اسمها وخبرها. كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا. والصابئون كذلك.
أما نحن فنقول: قاعدة العطف التي يقولون بها ليست قاعدة صارمة، ويمكن التغاضي عنها أحيانًا للفت الأنظار إلى أمرٍ خاص يجب تدبره، مثال: يمكن القول: "باء الكافرون والمنافقين والمشركون بالخسران المبين".
في هذا المثال تمَّ تمييز "المنافقين" عن غيرهم وجرِّهم بدلا من رفعهم لمعنى يجب أن يتدبره المخاطبون، ومنه مثلا أنهم في الدرك الأسفل.
*******
قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُون} [الجاثية:6]، {.... فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [الأعراف:185]، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [المرسلات:50]
هذه الآيات تنص على أن ما يجب الإيمان به هو آيات الله تعالى وحديثه؛ أي القرءان الكريم وما يتضمنه، لذلك يجب اتخاذ كتاب الله المصدر الأوحد للأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها، هذا هو قولنا الذي نلتزم به، ومن المعلوم أن أكثر المسلمين هم (نظريا) أشاعرة وماتريدية من الناحية العقائدية (رغم أن أكثرهم لا يعلمون عن هذه المذاهب حتى اسمها)، وهؤلاء يقولون بقاعدة تنص على أن مرويات الآحاد لا يؤخذ منها علم أو عقيدة، ولكنهم لا يلتزمون بها، فلديهم الكثير من العقائد مأخوذ من شتى المصادر الثانوية، أما السلفية، فهم يقدمون مرويات الآحاد نظريا وعمليا على آيات الكتاب، ويأخذون منها عقائدهم بلا حرج، وكلما كانت المروية أقرب إلى التجسيم والتشبيه كلما ازداد اهتمامهم بها وقدموها على غيرها.
*******
يجب التمييز بين أمرين:
1. أن يكون للفظ في القرءان أكثر من معنى، وهذا أمرٌ ثابت ثبوتًا قطعيا لا مجال لأي جدلٍ فيه، والتشكيك فيه يؤدي لا محالة إلى مقالات كفرية، وهذا ما يُسمَّى بالمشترك اللفظي، ومنه أن يكون لنفس اللفظ أكثر من معنىً لغوي واصطلاحي.
2. أن تستعمل ألفاظ عديدة للدلالة على نفس المعنى من كافة الحيثيات، وهذا ممنوع في القرءان، فاختلاف المبني يعني اختلاف المعنى، ولكنه أمرٌ طبيعي في اللغات المستعملة خارجه، وذلك لتعدد لغات القبائل العربية، فيوجد للأسد مثلا أسماء عديدة في اللغات المختلفة، وليس صحيحًا أن له اسمًا واحدا، والباقي بالضرورة أوصافه، وكذلك يختلف مبنى اسمه من لسانٍ إلى لسان.
*******
القرءان هو الحكم الموصوف بأنه عربي
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاق} [الرعد:37]
فما أنزله الله على خاتم النبيين هو القرءان الموصوف بأنه عربي، وهو الحكْم الموصوف بأنه عربي، وهو الذكر الحكيم وهو الكتاب المبين وهو القرءان الحكيم والعظيم والمجيد والعلي الحكيم وهو الفرقان.
وتعدد الأسماء يدل على شرف المسمى.
القرءان ليس بكتاب محايد، يجب أن تدخل إلى حضرته مؤمنا متأدبا، وويل للذين فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ منه، قال تعالى:
{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} التوبة
*******
ما أنزله الله على خاتم النبيين هو القرءان والذكر والكتاب والفرقان
قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} فصلت، {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقرءان وَكِتَابٍ مُّبِين}[النمل:1]، {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقرءان مُّبِين} [الحجر:1]، {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيم} [آل عمران:58]، {وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون} [الحجر:6]، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل:44]، {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب}[ص:8]، {أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِر}[القمر:25]، {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون}[القلم:51]، {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون}[الزمر:33]، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد}[سبأ:6]
فما أنزله الله على خاتم النبيين هو القرءان والذكر والكتاب والفرقان والحق والصدق من حيثيات متعددة، كل هذه الكلمات هي لغويا أسماء معان (مصادر)، ومن المعلوم أن لكل هذه الكلمات معانيها اللغوية الأصلية، بالإضافة إلى المعاني القرءانية الاصطلاحية، ومن معانيها الاصطلاحية أنها تستعمل كأسماء علمية Proper names لما أنزله الله تعالى على رسوله.
وبعض هذه الكلمات لها معانيها الاصطلاحية الأخرى، فالكتاب مثلا يُستعمل لما أنزله الله على أي رسول من رسله، والذكر قد يُستعمل للدلالة على الكتب السابقة، فهي ألفاظ مشتركة، وسياق الآيات هو الذي يحدد المعنى المقصود.
ومن الضلال المبين أن يقول أحدهم إن هذه السورة أو الآية من الكتاب وليست من القرءان أو العكس.
*******
ما أوحاه الله تعالى إلى النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ اسمه القرءان والكتاب والفرقان والذكر وكلام الله وروح من أمر الله والصدق والنور ....، كل اسم هو لهذا الوحي من حيثية خاصة، فكل هذه المصطلحات هي للإشارة إلى نفس الكيان، والاستعمال الاصطلاحي للاسم اللغوي لا يبطل معانيه اللغوية الأخرى، ومن التجديف الخطير أن يقول أحدهم مثلا: إن هذه الآية من القرءان وليست من الكتاب أو العكس!
زيادة في التوضيح:
ولكل ذلك فالقرءان كله كتاب، وهو يتضمن بالطبع كتبا، والتوراة كلها كتاب.
وإذا كتبتَ أنت بعض المكتوبات يُصبح جماع كل ما كتبته كتابا.
وكلمة كتاب لها بالإضافة إلى المعاني اللغوية معانٍ اصطلاحية، فالكتاب معرفا بالألف واللام هو ما أوحاه الله تعالى إلى خاتم النبيين، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين} [البقرة:2]
وكذلك يُطلق "الكتاب" على ما يسمونه الآن بالعهد القديم، وهو التوراة ومجموع أسفار أنبياء بني إسرائيل، وعلى الإنجيل، ولذلك سُمِّي اليهود والنصارى بأهل الكتاب، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران:64]
وبالطبع يحدد السياق المعنى المقصود باللفظ، وهذه بديهية.
ولكن أحد الأشخاص استغل أن أكثر الناس أجهل من الجهل نفسه، ولا يميزون بين المعاني اللغوية وبين المعاني الاصطلاحية، ولا يعلمون شيئا عن الأسلوب القرءاني ولا عن المنهج القرءاني في استعمال الألفاظ، وزعم لهم أن ما تلقاه الرسول ينقسم إلى قرءان وكتاب .... الخ لكي يلبس عليهم أمر دينهم وليفرق بين الأوامر الإلهية وليسول لهم إهمال وتجاهل جزء كبير منها، فانتشر زعمه بينهم انتشار النار في الهشيم، وصار عند قطاع كبير منهم من العقائد المسلم بها، وأصبح كل من يحاول تصحيح الأمور حاسدا مبغضا لهذا الشخص!!! وترى أحدهم يتشدق ويقول بكل ثقة: "هذه الآية ليست من القرءان، وإنما هي من الكتاب"!!!!
ومن المضحك أن يشغلونا بشرح البديهيات والمعلومات البسيطة عمَّا هو أجدى وأهمّ!!!
*******
القرءان يعطي معاني عديدة للأمر الغيبي المتشابه
المسألة: تنزيل وإنزال القرءان.
قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} [القدر:1]، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين} [الدخان:3]
المعنى الأول: بدء الإنزال كان في ليلة القدر.
المعنى الثاني: نزل القرءان دفعة واحدة على القلب المحمدي: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} الشعراء
ثم بدأ إنزاله على الناس على مكث.
{وَقرءانا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا} [الإسراء:106]
المعنى الثالث: قال تعالى {حمٓ ١ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٍ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣ فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤} (الدخان).
ويلاحظ أن عدد الحروف المرسومة للآيات هو ثلاثة وستون حرفا وهو عمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وفي ذلك إشارة إلى إنه بتمام عمره يتم فرق وتفصيل آيات الكتاب المحكمات.
فالليلة المباركة هي الجسم المحمدي الناتج بتعين الذات المحمدية في العالم المادي بعد نزول النجم، وإرساله رحمة للعالمين.
أما الآية القائلة: {أَمۡرًا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥ } (الدخان)، فيلاحظ أن عدد حروفها المرسومة ثلاثة وعشرون حرفا إشارة إلى عدد سنوات البعثة المحمدية.
*******
القرءان يعطي لكل زمان ومكان ما يصلح به أمره
سؤال: "تزعمون ان القرءان صالح لكل زمان ومكان، كيف ذلك وأنتم تقرون ان هناك آيات نزلت لمعالجة ظروف معينة، ويجب أن تُقرأ في سياقها الذي نزلت فيه؟ مادام الامر كذلك انتفت عن القرءان صفة الديمومة.... فأنتم تقولون إن القرءان نزل نورا ورحمة، وهناك آيات كثيرة تدعو للقتل، ثم تدعون ان آيات القتل وردت في سياق معين، ثم تقولون يجب الأخذ بالقرءان".
الجواب: الحق هو أن القرءان يعطي لكل زمان ومكان ما يصلح به أمره، ففي كل عصر يتلقى خيار الناس التأويل الجديد الذي أصبح الناس مستعدين لاستيعابه وقبوله والعمل به.
وللقرءان نظمه الفريد ونهجه في إيراد الأوامر والمعلومات، فهو لا يتبع الأساليب القديمة أو الحديث في تبويبها، فالمعلومات عن مسألة معينة ترد موزعة على سوره وآياته لتحقيق مقاصد القرءان، فالقرءان ليس مدونة قانونية، ولكنه كتاب يقرأه الإنسان ويتدبره ويتزكى به، ومن أراد أن يفقه معنى هذا الكلام فليقرأ كيف وردت الوصايا في التوراة، وكيف وردت في القرءان في سورتي الإسراء والأنعام.
لذلك لا يجوز التعامل مع القرءان بطريقة عشوائية اعتباطية، بل يجب التعامل معه وفق منهج قرءاني علمي دقيق، ومن ذلك المنهج أنه لا يجوز اقتطاع عبارة أو آية من سياقها وتفسيرها بمعزل عنه وعن كافة الآيات التي تعالج نفس المسألة، وهذا أمر بديهي بالنظر إلى طبيعة القرءان ونظمه الفريد.
ومن منهج القرءان إيراد الأحكام في سياق الحديث عن وقائع تاريخية أو لحث الناس على أفعال معينة أثناء فترة البعثة، فالقرءان كان يقود مسيرة الأمة الوليدة ويزودها بما يلزم من أوامر وقوانين كلما دعت الحاجة، وهذا لا يعني أن القرءان كان يتم (تأليفه) كلما دعت الحاجة، وإنما يعني أنه كانت توجد مناسبات لتنزيل الآيات، وهذا أمر طبيعي وبديهي، فموسى مثلا لم يتلق الوصايا العشر إلا من بعد خروجه بقومه من مصر وأصبحت الحاجة ماسة إلى قانون ملزم لهم من بعد أن تحرروا من القانون المصري.
والقتال لم يُكتب على الأمة إلا من بعد أن اضطرهم رافضو الرسالة لذلك من بعد أن أخرجوهم من ديارهم واستولوا على أموالهم، وعندما كُتب عليهم، وهو كرهٌ لهم، نزلت عليهم أحكامه، وقد وردت موزعة على الآيات والسور، لذلك يجب استفتاء كل الآيات التي تتحدث عن القتال لاستخلاص كل الأحكام الخاصة به، ولا يجوز هنا القول بأن الآيات الأحدث نزولا نسخت الآيات الأقدم، فلا علاقة لزمن التنزيل بالأحكام، فالقرءان كان موجودا قبل تنزيله، ولا يحق لأحد القول بأن دين الرحمة لا يجوز له أن يتحدث عن القتال، فدين الحق والرحمة أُنزل لإصلاح أحوال بشر حقيقيين وليس ملائكة معصومين، فالقتال ظاهرة بشرية لا يمكن إنكارها، ويجب أن يزود دين الحق معتنقيه بما يلزم من أحكام لهذا القتال، وأن يحدد لهم مواصفات القتال المشروع، وما قرره الإسلام هو أرقى من قوانين الحرب الموجودة الآن، والإسلام ليس مسؤولا عن أحكام الدين الأعرابي القرشي الأموي الذي حلَّ محله وانتحل اسمه ولا عن تصرفات أتباعه.
وآيات القرءان متسقة اتساقا مطلقا ويصدق بعضها بعضا، فآيات القرءان لا تقول الشيء ونقيضه بخصوص مسألة واحدة وإنما القول القرءاني واحد في المسألة الواحدة، فلا اختلاف في القرءان! ولكن كل التراثيين يؤمنون إيمانا لا يتزعزع بوجود اختلاف كثير في القرءان، وكان ذلك من أسباب قولهم بوجود آيات منسوخة وقولهم بالتأويل كما اصطلحوا عليه.
ولا توجد آيات قرءانية منسوخة، والإصرار على القول بذلك هو كفر بآيات الله تعالى، والقول بأنه توجد آيات قرءانية منسوخة بـ(آيات) غير موجودة في القرءان الآن أو بالمرويات هو من الكفر المبين حتى وإن زعموا أن الأمة قد أجمعت على ذلك أو تلقته بالقبول!!!
*******
الأسماء الأعجمية في القرءان
ما يُسمَّى بالكلمات والأسماء الأعجمية في القرءان هي كما يلي:
1. إما أنها أسماء أعلام Proper Names، وأسماء الأعلام يجب أن تظل كما هي في أية لغة، وهذا لا يؤثر في هوية اللغة.
2. وإما أنها كانت مصطلحات معلومة للعرب، انتقلت إلى العربية بالانتقال الحضاري المعلوم، وهذا أيضًا لا يؤثر في هوية اللغة.
3. وإما أنها كانت مشتركة مع اللغات الأخرى التي تنتمي إلى نفس العائلة التي تنتمي إليها اللغة العربية، فالعربية تنتمي إلى عائلة اللغات السامية كالآرامية والسيريانية والأشورية والأكادية والعبرية والأمهرية ... الخ، واللغات السامية تنتمي إلى عائلة أكبر هي اللغة الأفروآسيوية والتي تضم المصرية القديمة والأمازيغية والكوشية ... الخ، فوجود ألفاظ مشتركة بين لغات من نفس العائلة أمر طبيعي كما هو الحال في مجموعة اللغات اللاتينية أو الجيرمانية أو السلافية .... الخ.
والناطقون بالعربية يأخذون الآن من اللغات الأخرى كل ما يحتاجونه من ألفاظ ومصطلحات العلوم والحضارة، ومازالت لغتهم عربية، واستعمال القرءان للكلمات الأعجمية يضفي الشرعية على هذا العمل.
ولقد أخذ الإنجليز آلاف الكلمات من الفرنسية والعربية وغيرهما، ومازالت لغتهم تُسمَّى بالإنجليزية، فهذا أمر طبيعي.
ملحوظة: المقصود باللغة هنا اللسان، واستعمال كلمة "لغة" بدلا منها حتى يفقه الناس المقصود
*******
لا فضل لكافر على كافر إلا بالأخلاق والعمل الصالح والقبول بالتعايش السلمي
لا فضل لكافر على كافر إلا بالرقي والتحضر والخُلُق الرفيع وبالعمل الصالح لخدمة الناس، والفصل في الاختلافات الدينية مُرجأ إلى يوم القيامة"
الكفر ليس مسألة مهولة خطيرة كما يتصور البعض، ولا يجوز أن يُصاب أحد الناس بالهلع عندما يجد أنه موصَّف ككافر عند إحدى الطوائف، فاللفظ (كفر) أصلا يدل على التغطية والستر المتكرر المستمر، وهذا اللفظ من الألفاظ الأصلية الذي ما زال موجودا في بعض اللغات الأجنبية ومن ذلك (Cover) في الإنجليزية و(Couvrir) في الفرنسية، والكلمة (غفر) هي قريبة أيضا من هذا المعنى؛ فهي تتضمن الستر والتغطية أيضا، فالمعنى الأصلي للفعل "كفر" هو التغطية والستر، ومنه اشتقت كلمة "الكفار" بمعنى المزارعين، ومن الكلمة الفرنسية اشتق الناس في مصر كلمة "كوڤيرته" بمعنى غطاء، ومن الألفاظ ذات الصلة الـ "الكَفْر" بمعنى المكان الذي يسكن فيه المزارعون.
وكل أتباع دين هم بصفة عامة كفار في نظر أتباع الدين الآخر، بل إن أتباع أي مذهب داخل أي دين قد يُعتبرون كفارا في نظر أتباع المذاهب الأخرى، وكل من سينادي بالإصلاح الديني سيكون كافرا في نظر أتباع المذاهب السائدة .... الخ، ولقد قال الرسول لقومه في حجة الوداع: "لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ"، ولقد ضرب بعضهم رقاب بعض، فالـ (الصحابة الأجلاء) كانوا بمقتضى (السنة) و(الوحي الثاني) كفارا عندما ضرب بعضهم رقاب بعض، والكفر هاهنا يتمثل في إنكار وتجاهل الأوامر الإلهية والتحذيرات النبوية.
وهذا الوضع المذكور لن يتغير أبدا، ولذلك فليس أمام الجميع إلا:
1. العودة إلى عصر الحروب الدينية والمذهبية الوحشية والطاحنة، وفيها يفقد الناس الأمن والرغبة في الحياة ويتمنون الموت للهرب من جحيم الدنيا.
2. التعايش السلمي بين كل هؤلاء الكفار، وأن يعتنقوا مبدأ: "لا فضل لكافر على كافر إلا بالرقي والتحضر والخُلُق الرفيع وبالعمل الصالح لخدمة الناس، والفصل في الاختلافات الدينية مُرجأ إلى يوم القيامة".
ويجب العلم بأن نتيجة سعي كل الداعين إلى الإيمان معلومة، وهي أن أكثر الناس لن يؤمنوا، قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} [يوسف:103]
وأن أكثر من سيؤمن هم مشركون، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف:106].
وأن أكثر الناس سيكونون في جهنم: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)} هود
لذلك فلا جدوى من مناطحة الحقائق، ولا مناص من التعايش معها، ويجب ألا يفزع الناس من وصف بعضهم بالكفر، فمن هم مطهرون منه على المستوى الحقيقي قد لا تتجاوز نسبتهم 0.1%.
*******
المؤمن في دين الحق هو من آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر، فهو يجب أن يؤمن بالنبي الخاتم وبالقرءان الكريم وبكل ما يتضمنه القرءان الكريم، فمن أنكر شيئا منصوصا عليه في القرءان فقد كفر بقدر ما أنكر، ولكن لا توجد عقوبة دنيوية على الكفر، فمن كفر بشيءٍ من القرءان فحسابه عند ربه، والله تعالى الذي جعل الإنسان مخيرا فيما يتعلق بأمر الإيمان لن يعطي لبشر السلطة كي يحاسبه ويعاقبه، ولقد قال لرسوله الكريم في آيات تُتلى إنه ليس على الناس بوكيل أو حفيظ أو مصيطر أو جبار.
ولا يجوز أن يُصاب أحد الناس بالهلع عندما يجد أنه موصَّف أو مُصنَّف ككافر عند إحدى الطوائف، فاللفظ (كفر) أصلا يدل على التغطية والستر المتكرر المستمر، وهذا اللفظ من الألفاظ الأصلية الذي ما زال موجودا في بعض اللغات الأجنبية ومن ذلك (Cover) في الإنجليزية و(Couvrir) في الفرنسية، والكلمة (غفر) هي قريبة أيضا من هذا المعنى؛ فهي تتضمن الستر والتغطية أيضا، فالمعنى الأصلي للفعل "كفر" هو التغطية والستر، ومنه اشتقت كلمة "الكفار" بمعنى المزارعين، ومن الكلمة الفرنسية اشتق الناس في مصر كلمة "كوڤيرته" بمعنى غطاء، ومن الألفاظ ذات الصلة الـ "الكَفْر" بمعنى المكان الذي يسكن فيه المزارعون.
ومن البديهي أنه لدى كل طائفة شيء من العقائد تختلف به عن الآخرين، ويرفض هؤلاء بالطبع هذه العقائد وينكرونها؛ أي يكفرون بها.
واليهود والنصارى يكفرون بالقرءان الكريم وبالنبي الخاتم ويتبنون مقولات كفرية ذكرها القرءان، والقرءان يسميهم بأهل الكتاب، وباليهود والنصارى، وليس بالمسلمين، فكلمة "الإسلام" هي اسم عَلَم على هذا الدين الذي اكتمل بالقرءان وبخاتم النبيين، وكلمة "مسلم" هي مصطلح يُطلق على من آمن بهذا الدين.
ولأهل الكتاب كافة حقوق الإنسان المقررة في القرءان فضلا عن حقوقهم كأهل كتاب، فمن الواجب على المسلمين برهم والإقساط إليهم، أما من يقول بأنهم مسلمون فهو في الحقيقة يتجاهل كل ما ذكره القرءان الكريم ولا يبالي بكفرهم بالنبي الخاتم، وكفى بذلك كفرا وإثما مبينا.
*******

بارك الله بكم
ردحذفمبارك
ردحذفرائع
ردحذف