المحكم والمتشابه والتأويل والتفسير3
إنه لفقه الآيات القرءانية يجب العلم بأنه بإسناد الأظرف وأحرف الجر والأسماء والأفعال وغيرها من المفردات اللغوية إلى الله فإنها تصبح نوعًا آخر متعاليا وغير مألوف وتكتسب معاني جديدة.
وبعد بيان ذلك يجب العلم بأن للغة العربية الأصلية علاقة وثيقة باللغة العلوية وأن الكلمات العربية الأصيلة تتضمن من الحروف ما يشير إلى المعاني الأصلية للمفردات اللغوية، والاسم اللفظي المذكور في القرءان والذي سمي الله به نفسه يتضمن بالضرورة من الحروف ما يشير إلى معناه الأصلي وإلى السمة التي يشير إليها، وهو بذلك الأفضل والأحسن من كل لفظ آخر قد يتضمن ما يظنه الناس معنى مقاربا له، ولذلك أعلن الله أن له الأسماء الحسنى وأمر الناس أن يدعوه بها ونهاهم عن أن يلحدوا في أسمائه، وهذا يتضمن ألا يدعوه بغيرها، وجلّ المحسوبين على الإسلام يلحدون في أسماء الله ويدعونه بما لم يسمِّ به نفسه وينسبون إليه ما لم ينسبه إلى نفسه.
ولذلك أيضًا تحدَّي سبحانه الناس بالقرءان، فمن إعجاز القرءان أن الله قد اختار له المفردات الأقرب إلى تلك اللغة العلوية، وبذلك أصبح للقرءان من المعاني ما لا يتناهى وكان بذلك كتابًا متشابهًا مثاني وتضمن بذلك آيات متشابهات يجب الإيمان بها.
ولذلك قد تكون العبارة القرءانية التي تتحدث عن شأن إلهي عبارة مجازية على مستوى عالم الشهادة المألوف بينما تكون عبارة حقيقية لأن اللفظ المضاف إلى الله على حقيقته من حيث اللغة العلوية الأصلية، ولذلك صح مسلك من آمنوا ولم يخطئ من أوَّلوا أو فوضوا، كذلك لم يخطئ من قال إن العبارات على معانيها الحقيقية من تلك الحيثية، ولكن أخطأ من استبطنوا تصورا تشبيهيا تجسيميا أو قطعوا بأن العبارات على معانيها الدارجة المألوفة مثل أولئك الذين قالوا إن الاستواء معلوم أو قالوا إن الإصبع بمعناه المعلوم وكيفه المجهول هو صفة إلهية ذاتية لازمة.
*****
إن وجود الآيات المتشابهات لا بد منه في كتاب ديني يتحدث عن الحقائق العليا، ولابد لهذه الآيات المتشابهات من معانٍ ومدلولات لازمة لكل مسلم، ومن معانٍ ومدلولات للصفوة من أولي الألباب، ولكن يمكن للناس كافة أن يتذوقوا معانيها بملكاتهم القلبية الوجدانية، مثال:
القول "لا إله إلا الله" هو لفظ قرءاني محكم قطعي الدلالة، وهو يشير إلى قانون وجودي وحقيقة علوية محكمة، ولكن القول يتحدث عمَّن له الغيب المطلق، فهو بذلك من الآيات المتشابهات، فلا يمكن إدراك معانيه المطلقة إلا لله تعالى، وكل إنسان لا يدرك منه إلا بمقدار ما لديه من تصور عن كلمة "إله" وعن كلمة "الله".
وهذا القول هو أيضًا عبارة محكمة تقتضي من الإنسان من الصفات والأفعال بقدر ما تشير إليه أسماء الله الحسنى من المعاني والسمات، فالعلم بكل ذلك والقيام به يستلزم القيام بكل أركان الدين وعناصره.
لذلك فمهما ارتقى الإنسان وازداد علمه يجب أن يقول كما قالت الملائكة من قبله: سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم، فيجب دائما تنزيه الله تعالى عمَّا يصفون، كما يجب رفع أسمى آيات الحمد إليه.
أما التأويل المنهي عن اتباعه فهو إصرار البعض على قياس الغائب على الشاهد بتشبيه الله تعالى بخلقه وإنزاله إلى مستوى إدراكهم المحدود، وذلك المسلك هو المقصود بتتبع المتشابهات ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها.
فالمُصرّ على أن الرحمن يستوي على العرش كما يستوي الإنسان على أريكته مثلا، أو أنه سبحانه كائن هائل يتربع على عرش كبير في مكانٍ ما من الكون هو الذي يبتغي تأويل الآيات لتوافق هواه وتصوُّره، وهو الذي يقول على الله ما لا يعلم، وهو الذي يبتغي الفتنة بإصراره على تأويل يتصادم مع الحقائق والبديهيات والآيات، إذ يجب العلم دائمًا بأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وأنه أبدع كل الأشياء بما فيها العرش بعد أن لم تكن، وقد كان الله ولا شيء معه، فهو لم يبدع الكون ويخلقه كما يؤسِّس أحد الناس بيتا ثم يقيم في أعلى طابق منه، وهذا التصوُّر هو الذي دفع ببعض الجهلة إلى إنكار وجود الله عندما لم يجدوه في الفضاء القريب من الأرض أو في القمر مثلا، وردَّ عليهم البعض بالقول بأن القمر ليس إلا ضاحية من ضواحي الأرض! لذا يجب القول بأنه لو أمكن لأحد رواد الفضاء أن يذهب إلى أبعد تخوم العالم المادي لما رأى شيئا أيضا، فهو لن يرى إلا أشياء مادية محكومة بنفس القوانين والسنن المألوفة.
كما يجب الإيمان بما جاء في القرءان بأنه سبحانه أقرب إلى كل إنسان من أي شيء آخر، بل هو أقرب إليه من نفسه، وإذا كانت بعض الأشياء المادية كالأشعة الكونية لها تلك الخاصية، فما الذي يمنع أن يكون الله هو الأقرب إلى من خلق، ليس بمعنى أنه يحتوي الأشياء أو أنه سارٍ فيها كما تتخلل الأشعة الأشياء، ذلك لأن الله سبحانه هو مبدع المكان وقد كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، فذلك القرب له كما يليق بذاته ولا يمكن إدراكه إلا بإدراك كنه ذاته وذلك ما لا سبيل إليه.
وعلى المتشبعين بالمادية أن يعلموا أن نسبة الأكوان المخلوقة إلى الله تعالى أقل من نسبة أفكار وتخيلات إنسانٍ ما بالنسبة إلى هذا الإنسان، والإنسان قد يبني في خياله بيتًا جميلا واسعا، فكيف يمكن وصف من يتصور أنه يمكنه أن يقيم فيه أو من يحاول إلزام الناس بتصديق ذلك؟
فالذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله هم الذين يجزمون أن تفسيرهم للآيات المتشابهات هو عين تأويلها، كمن يصرّ مثلًا على أن الرحمن مستوٍ على العرش كما استوى بشر على العراق (كما يقولون)، أو من يصر على أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كما ينزل أحدهم على درجات المنبر، أو أنه موجود في السماء أو فوقها كما يوجد الإنسان في أعلى طابق من بناء، أو أنه سبحانه يتقادم بمرور الأزمان، أو من يصرُّ على أنه عين وجود الأشياء، فتعالى الله عن كل هذه التصورات والأشياء.
إن الله تعالى قد فصَّل كتابه بحيث يحقق به مقاصده، وجعل سوره وآياته بحيث يتزكى الإنسان بقراءتها وتدبرها، لذلك فقد تتتابع في آية واحدة أو في مجموعة من الآيات المتلاصقة أوامر دينية، وحثّ على التحلي بأخلاق كريمة ونصّ على سنة شرعية أو تشريعية وذكر لبعض أسماء الله الحسنى، وذلك هو النظم القرءاني الفريد، وذلك ما يجب دائما أخذه في الاعتبار عند التعامل مع القرءان.
ويلاحظ أن تعريفات ومصطلحات الأصوليين والفقهاء قد سببت من المشاكل واللبس أكثر مما قدمت من حلول أو بيَّنت من أمور، وذلك لوجود أخطاء أصيلة وجوهرية في منهجهم، إنه من المفترض أن المنهج القويم يسهل الأمور ويزيل اللبس.
*******
التأويل يكون لما يقبل بحكم حقيقته التأويل، والتأويل نوعان:
1. نوع لا يمتلك الإنسان بحكم طبيعته آلاته أو أدواته لكون الأمر خارج نطاق مداركه ومفاهيمه ومصطلحاته، فالتأويل لا يمكن أن يحدث باتباع الأساليب البحثية المعلومة، وإنما بانكشاف الأمر له أو تحققه أمامه، وعندها لن يدرك من الأمر إلا ما تطيقه ذاته، ومثل هذه الأمور يجب الإيمان بما ذكره القرءان منها وعنها، وهي أنواع، منها ما هو من الغيب المطلق، ومنها ما هو من الغيب النسبي، والغيب المطلق لا ينكشف بحكم حقيقته أصلا، وإنما له تجلياته وآثاره.
2. التأويل الاصطلاحي، وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى عليه دليل شرعي أو منطقي أو عرفي ولا يأباه اللفظ ولم يعارض نصا صريحا، وما يسمونه بظاهره هنا هو المعنى المستخلص أو المجرد أو المنتزع من عالم الشهادة.
والتأويل قد يُطلق على المعاني الأخرى التي يحتملها اللفظ والتي لم يجرِ بها عرف من باب إطلاق المصدر على مجاله أو مفردات مجاله.
ومن الأمور ذات العلاقة بالتأويل الإشارة أو دلالة الإشارة، فهي يمكن أن تكون:
1. معنى ورد في سياق النص يمكن أن يظن الناس أنه قد ورد عرضًا أو غير مقصود بالسوق بالنظر إلى المعنى الغالب في النص أو المعنى الأساسي له.
2. معنى يدركه الصفوة أو يدركه الإنسان الذي سمت نفسه وارتقت، وقد يمكنه البرهنة عليه بالنص.
3. معنى يتكشف للناس باطراد التقدم.
والفرق بين التأويل وبين الإشارة أنه لابد من وجود أثر في اللفظ يمكن أن تستند الإشارة إليه، أما التأويل فهو مقتضى النص ككيان أحدي.
*******
العبارة الواحدة يمكن أن تدل على معانٍ متعددة بطرق مختلفة، والدلالة عندنا هي معنى العبارة القرءانية الكاملة، وهذا المعنى يجب التوصل إليه بالنظر في العبارة في سياقها الخاص، وهو الآية القرءانية كاملة، وفي سياقها الأوسط وهو مجموعة العبارات المحيطة بها، وفي سياقها القرءاني العام، وهذا السياق هو البنيان العام لدين الحق المستخلص من القرءان وفق منهج علمي منطقي صارم.
وبذلك فإن التصنيف هو من حيث نوعية معنى العبارة ككل، وليس من حيث معنى الألفاظ المفردة وحدها، فإذا كان قد أمكن تقسيم الألفاظ من حيث المعنى إلى ظاهر ومحكم، أو إلى خاص وعام، أو إلى اسم لغوي واسم شرعي فإن التقسيم من حيث نوعية معنى العبارة هو أمرٌ آخر، وهو يمكن أن يكون من حيث مجال هذا المعنى، فهذه المجالات تتنوع بمقدار تنوع منظومات دين الحق.
*******
الآية لا تعني فقط العبارة القرءانية بين فاصلتين وإنما تعني أيضا ما تشير إليه وما تدل عليه وما يمكن أن يستنبط منها، والكتاب مصدر لنوعين من الآيات آيات بيِّنات محكمات وآيات متشابهات، وقد تكون الآية البينة المحكمة منصوصًا عليها وقد يمكن استنباطها من النصوص القرءانية، كذلك فالكتاب يتضمن معاني عميقة متشابهة، وتلك الآية المراد تفسيرها هنا هي نفسها متشابهة ولذلك أثارت حيرة الناس منذ نزولها، فالمعاني المحكمة الظاهرة البيِّـنة هي أم الكتاب أي هي المرجع والأصل الذي يعوَّل عليه ويطالب الناس به، فهي بيِّـنة لكل من لديه إلمام باللسان العربي، والآيات المحكمات تحوى مجالات العقيدة ومنظومات القيم والسنن وأحكام العبادات والمعاملات وبها تقام الحجة على كل المؤمنين.
أما المعاني العميقة لما تشابه من آيات القرءان فهي تتكشف لأولى الألباب والراسخين في العلم على مدى العصور ويدركون منها بقدر ما في وسعهم ولكنهم لا يحيطون بتأويلها والمراد به هنا المعاني والدلالات النهائية، أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه أي يتجاوزون المعاني المحكمات إلى المتشابهات فلا يتخذون من المحكم مرجعا لتفسير المتشابه؛ بمعنى لأنهم ليس لديهم منهج للتعامل مع آيات القرءان، فلا يكون ثمة أساس راسخ للتفسير فيعمدون إلى التفسير وفقا لآراء مسبقة لديهم دون استناد إلى المعاني المحكمة الراسخة أو الأصول الثابتة، وهذا هو ما حدث بالفعل من غلاة الشيعة والمتصوفة والفلاسفة والسلفية والحداثيين، وربما كان أفضل الناس مسلكا في هذا الأمر من عقدوا العزم دائما على الالتزام بالمعنى الظاهر المحكم وعدم تجاوزه إلا بقدر الضرورة، ومسلكهم هذا قد يكفي لمجرد النجاة ولكنه لا يكفي لتحقيق مقاصد الدين العظمى والفوز بالدرجات العلى.
ومن الاتجاهات التضليلية التأويل الذي يتعارض مع المعاني القرءانية المحكمة أو يبطلها، وثمة اتجاه تضليلي آخر يزعم أن اللسان القرءاني يختلف عن اللسان العربي أو يزعم أن اللسان العربي المبين لا يعني اللسان العربي المعلوم أو يزعم وجود أخطاء في التشكيل أو في التنقيط، هذا مع أنه من المعلوم أن القرءان المسموع منقول بالتواتر الحقيقي الكافي.
وهناك من يزعم أن معاني الألفاظ ليست هي المعاني المعلومة أو الواردة في معاجم اللسان العربي، ثم يكسبها هو معاني من عنده، والحق أن كاتبي المعاجم كتبوا كل ما وصل إليهم من معاني الألفاظ، ولكن لم يتم تمحيص ما جمعوه التمحيص الكافي، وهذا عمل ضخم ينبغي أن تقوم به مجامع متخصصة، ولكن ذلك لا ينفي حقيقية أن أكثر معاني الألفاظ القرءانية موجود في هذه المعاجم.
ومشكلة بعض من يخوضون في القرءان أنهم يخوضون فيه بغير علم، بل إن بعضهم يجهل اللسان العربي، وليس لديه السليقة اللغوية العربية، وهم لا يلتزمون بالأدب مع القرءان، وليس لديهم أي منهج حقيقي للتعامل معه، فيقوم أحدهم باقتطاع آية أو جزء من آية ثم يحاول أن يلزمها بتفسير شخص -ممن لا يتفوق عليه في الجهل- وإنما يتفوق عليه فقط في الشهرة، وقد علم الناس أنه لو كان الأمر يؤخذ بالشهرة لكان أولى من يفتي في الدين هم الراقصات والمغنيات، وهم في سعيهم هذا يحاولون أن يضربوا الآيات ببعضها، بل يكفرون ببعض القرءان.
سيقولون: وهل القرءان للعرب فقط؟ الجواب هو أن القرءان يتضمن الرسالة الخاتمة الكاملة الملزمة للناس كافة، كما يتضمن أيضًا رسالة خاصة للعرب الذين هم قوم الرسول، ولذلك اقتضت السنن الإلهية أن يكون بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين، ورسالة النبي الخاصة بقومه ثابتة بالقرءان الكريم، قال تعالى:
{وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون} [الأنعام:92]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرءانا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير} [الشورى:7]، {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)} يس، {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون} [الزخرف:44]، {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)} السجدة.
وقد كان ولابد من أن ينزل القرءان بلسان قومٍ ما مثلما حدث مع الكتب من قبله، ولقد اقتضت السنن الإلهية أن يكون القرءان بلسان قوم الرسول؛ أي بلسانٍ عربي مبين، وقد ذكر ذلك في كتابه، قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [إبراهيم:4]، {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} الشعراء، {الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قرءانا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)} يوسف، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل، {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قرءانا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)} فُصِّلَتْ
ولا تعارض بين الرسالتين، ولكن ذلك يلقي بعبءٍ ثقيل على من يفقهون اللسان العربي، فعليهم مسؤوليات مضاعفة تجاه المسلمين وغيرهم من غير العرب، وفي كل الأحوال فالأكرمية عند الله تعالى هي بالإيمان والعمل الصالح والتقوى والقلب السليم.
ولعالمية الإسلام لا يجوز لأحد أن يلزم الإسلام والمسلمين بعادات وتقاليد وتاريخ قوم معينين أو عصر معين، ولذلك كانت السلفية هي من كبائر الإثم المضادة لعالمية الإسلام، فضلا عن أنها من تجليات الشرك وأركانه، وانتشار الاتجاهات السلفية هو من علامات الخراب والانحطاط العام والهلاك السريع.
والمعاني المحكمة الملزمة للناس كافة يمكن إدراكها واستخلاصها، ولكن لن يدرك أسرار القرءان ومعانيه العميقة إلا الصفوة من أولي الألباب الذين لديهم السليقة العربية، وذلك فضلٌ من الله تعالى على هذه الأمة، ولكنه يحملها بمسؤوليات جسيمة تجاه الآخرين.
فيجب الإيمان بأن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، ولكن هذا يلقي مسؤولية جسيمة على عاتق من أورثوا الكتاب، وقد قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} فاطر
وقد بدأ بذكر ظالمي أنفسهم لأنهم الأكثرية في كل العصور.
أما الأفضلية التي سيترتب عليها المصير الأخروي فهي منوطة بالتقوى والعمل الصالح، وهذا مقتضى العدل، بل إن أولي الألباب أنفسهم مطالبون -قبل غيرهم- بأن يتقوا الله، قال تعالى:
{..... فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} [الطلاق:10]
إنه لا يجوز إهمال آيات القرءان، وليس لأحد أن يمنع الناس من تدبرها وإعلان ما قد يكتشفونه فيها من المعاني سواء أكانوا مسبوقين فيها أو غير مسبوقين، ولكن على كل إنسان أن يقدم بين يدي تفسيره أو تأويله البراهين والحجج الكافية، وبالطبع قد تكون هذه الحجج واهية يمكن دحضها، وقد تكون صحيحة، ولكن عليه أن يتوقع في هذه الحالة ألا يستمع إليه إلا قلة من طالبي الحق لذاته، فأكثر الناس أعداء لأنفسهم وظالمون لها.
*******
يتـــــــبع

بارك الله فيكم
ردحذف